أما السنة:
فقوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث السابق ذكره: «التمر بالتمر مثلاً بمثل .... إلخ» , فالحديث اشترط في الجواز فقط المماثلة والمساواة، ولم يقبل أبو حنيفة الحديث الذي استدل به جمهور الفقهاء, وقال: إن مدارة على زيد بن عباس, وهو ضعيف مجهول، فلا يقبل في معاوضة الكتاب والسنة (1).
وقد أجاب جمهور الفقهاء على ذلك, فقالوا: حديث سعد بن أبي وقاص صحيح, رواه أبو داود والترمذي, وقال: حسن صحيح، ورواه النسائي, وابن ماجه, ومالك في «الموطأ» , والشافعي في «الأم» , وأحمد بن حنبل, والحاكم في «المستدرك» من طرق, وقال: هذا حديث صحيح لإجماع أئمة النقل على إمامة مالك، وأنه محكم في كل ما يرويه من الحديث؛ إذ لم يوجد في رواياته إلا الصحيح.
قال الخطابي: وقد تكلم بعض الناس في إسناد حديث سعد, وقال زيد أبو عياش: راويه ضعيف، وليس الأمر على ما توهمه، وأبو عباس مولى بني زهرة معروف, وقد ذكره مالك في «الموطأ» , وهو لا يروي عن متروك الحديث (2).
والشيخان لم يخرجاه لما خشياه من جهالة زيد بن أبي عياش, وأخرجه الدارقطني أيضًا في سننه, وقال: إنه ثقة ثبت, وقال المنذري: "قد روى عنه ثقات". وقال الحاكم: "لا أعلم أحدًا طعن فيه" (3).
وإني أرى أن ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من أن بيع الرطب بالتمر لا يجوز بحال من الأحوال، هو الرأي الموافق للحق, والأولى بالقبول؛ لقوة دليلهم؛ ولأن الرطب والتمر, وإن كانا من جنس واحد لكن لا يمكن التسوية بينهما في المقدار؛ لنقصان الرطب بعد جفافه، فامتنع البيع؛ لعدم التساوي, والله أعلم.
وختامًا, فإني أدعو الإخوة المسلمين في جميع أنحاء البلاد الإسلامية, إلى نبذ الحرام الخبيث, وتحريم ما حرم الله ورسوله, والسعي للحلال الطيب, والله كافيهم ومغنيهم من فضله, هدانا الله ـ جميعًا ـ لأقوم السبل, ووفقنا الله لما يحبه ويرضاه, وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
(1) بدائع الصنائع: للكاساني: جـ7, ص:3119,3118.
(2) معالم السنن للخطابي بهامش سنن أبي داود: جـ3, ص: 656.
(3) نيل الأوطار: للشوكاني: جـ5, ص:308, تكملة المجموع شرح المهذب: جـ10,ص: 286.