ولم تكن تلك الحادثة فريدة فلقد تكررت مرة أخرى مع شخص كان يلقب حمارا وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد جلده في الشراب فأتي به يوما فأمر به فجلد فقال رجل في القوم اللهم العنه ما أكثر ما يؤتي به فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( لا تلعنوه فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله )) (1).
وفي واقعة أخرى نلمس ذلك الحرص من الرسول - صلى الله عليه وسلم - على دمج من تمت معاقبته وأخذ حقه من الجزاء مع المجتمع، بل وحث للمجتمع على تقبله ورحمته والعطف عليه ففي حادثة المرأة المخزومية – رضي الله عنها - التي سرقت وأقام الرسول - صلى الله عليه وسلم - الحد وقطع يدها ، فلقد ورد أن امرأة الصحابي الجليل أسيد بن حضير - رضي الله عنهما -آوتها بعد أن قطعت يدها وصنعت لها طعاما فأقرها النبي - صلى الله عليه وسلم - على فعلها عندما قال : ((رحمتها رحمها الله))(2) ومما لا شك فيه أن ذلك الإقرار من الرسول - صلى الله عليه وسلم - لامرأة أسيد بن حضير تشريع للأمة في احتضان من عوقب، والإحسان إليه، واعتباره جزء من المجتمع، والتعامل معه وفق واقعه الجديد وحاضره بعد أن تمَّ تطهيره من جرمه الذي ارتكبه .
كما تورد كتب السنة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قطع يد رجل فمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد بني له رجل خيمة يستظل بها فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( من آوي هذا المصاب قالوا :آواه عاتك . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : اللهم بارك على عاتك كما آوا عبدك هذا المصاب )) (3) .
(1) صحيح البخاري ، مرجع سابق ، ج 6 ، ص 2489 .
(2) فتح الباري ، مرجع سابق ، ج 12 ، ص 96 .
(3) المصنف ، عبد الرزاق الصنعاني ، تحقيق : حبيب الرحمن الأعظمي ، المكتب الإسلامي ، بيروت 1392هـ ،ج10، ص 204 .