تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

"بعث أبو عبيدة خالد بن الوليد إلى قِنّسرين (1)، فلما جاءها ثار إليه أهلها ومن عندهم من نصارى العرب، فقاتلهم خالد فيها قتالاً شديداً وقتل منهم خلقاً كثيراً، فأما من هناك من الروم فأبادهم وقتل أميرهم ميناس، وأما الأعراب فإنهم اعتذروا إليه بأن هذا القتال لم يكن عن رأينا فقبل منهم خالد وكف عنهم، ثم خلص إلى البلد فتحصنوا فيه، فقال لهم خالد: إنكم لو كنتم في السحاب لحملنا الله إليكم أو لأنزلكم إلينا ولم يزل (2) بهم حتى فتحها الله عليه، فلما بلغ عمر ما صنعه خالد في هذه الموقعة قال: يرحم الله أبا بكر، كان أعلم بالرجال مني، والله إني لم أعزله عن ريبة ولكن خشيت أن يوكل الناس إليه (3) وفي رواية أخرى بنفس المضمون قال عمر قولته المشهورة: أمّر خالد نفسه، رحم الله أبا بكر، هو كان أعلم بالرجال مني (4)." (5) انتهى.

وهذا اعتراف واضح وصادق من عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بالمكانة العالية التي كان يتمتع بها خالد, وفي هذا الاعتراف أيضاً صفعة أخرى على وجه وقفا من يشكك بمتانة العلاقة بين عمر وخالد رضي الله عنهما ," ويعني عمر بمقولته هذه أن خالداً فيما أتى به من أفانين الشجاعة وضروب البطولة قد وضع نفسه في موضعها الذي ألفته في المواقع الخطيرة من الإقدام والمخاطرة، وكأنما يعني عمر بذلك أن استمساك أبي بكر بخالد وعدم موافقته على عزله برغم الإلحاح عليه إنما كان عن يقين في مقدرة خالد وعبقريته العسكرية التي لا يغني غناءه فيها إلا آحاد الأفذاذ من أبطال الأمم" (6).

وفي عمر " أمّر خالد نفسه .. ": معناه أنّ خالداً وإن لم يكن القائد العام للجيش وإن لم يكن أمير الجيش بتولية من عمر إلا أنّ شجاعته وإقدامه وحبه للجهاد في سبيل الله, كانت كافية لوضعه في مكان القيادة والإقتداء.

وفي مقولة عمر اعتذار منه عن عزل خالد وتوضيحاً لسبب عزله فقال " والله إني لم أعزله عن ريبة ولكن خشيت أن يوكل الناس إليه"وهنا يوضح عمر - رضي الله عنه - أنّ سبب عزله لخالد ما كان شكاً أو اتهاماً أو انتقاصاً لخالد وإنّما كان خالد يفتح الكثير من البلدان وينتصر في جميع معاركه فخشي عمر - رضي الله عنه - أن يظن ضعاف الإيمان والأقوام حديثو الإسلام أنّ سبب انتصار المسلمين هو وجود خالد بن الوليد فقط وقيادته للجيش وينسون أنّ دين الإسلام دين منصور مؤيد من عند الله ,وأنّ النصر ستحقق لا محالة بخالد أو بأبي عبيدة أو بغيرهما ممن يحمل راية التوحيد, فعمر بن الخطاب كان

(1) تاريخ الطبري (4/ 427).

(2) أي يقاتلهم

(3) ترتيب وتهذيب البداية والنهاية ص63.

(4) خالد بن الوليد، صادق عرجون ص321.

(5) انظر تاريخ الخلفاء الراشدين (2) ,فصل الخطاب في سيرة ابن الخطاب, الدكتور علي محمد الصلابي , ص 539

(6) خالد بن الوليد، صادق عرجون ص321.

القدوة الحسنة- خالد بن الوليد · الصفحة ٥٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القدوة الحسنة- خالد بن الوليدص ٥٧