ليلاً ونهاراً وأمضى كل حياته بعد الإسلام خارج مكة موطنه الأصلي وخارج المدينة مكان هجرته مجاهداً في سبيل الله, وعندما رأى الفرصة مناسبة لقضاء فريضة الحج والتوجه إلى الكعبة المشرفة, ذهب قاصداً بيت الله الحرام, لأنّه أدرك أنّ هذه الفرصة لن تعوض فقد يستشهد في المعارك وقد يأسر, وقد يمضي جميع عمره في الجهاد متنقلاً من العراق إلى الشام محارباً الفرس والروم, وخالد ابن الوليد - رضي الله عنه - يبقى إنساناً مؤمناً يحب الراحة الإيمانية والسكن الروحي ويتذكر قوله تعالى ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ آل عمران 97. ﴿وَ أَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَاتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَاتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ﴾ الحج 27,لذلك ترك الجيش لفترة مؤقتة وذهب لقضاء فريضة الحج.
ب كانت طريقة ذهاب خالد إلى الحج طريقة ذكية تدل على مدى تحمل هذا القائد لحجم المسؤولية الملقاة عليه, فلم يخبر من جيشه أنّه ذاهب إلى الحج بل أظهر أنّه سائراً مع الجيش ليبلغ منطقة الساقة وفي أثناء طريقه انعطف شطر المسجد الحرام, وذلك ليحافظ على السرية وحتى لا يبلغ ذلك العدو الذي كان من المحتمل أن يكون مراقباً لتحركات الجيش وحتى لا يحدث أي اضطراب في الجيش الإسلامي, واختار خالد طريقاً إلى مكة لم يسلك قبله وذلك لكي لا يتفاجأ بالعدو ولكي لا ينصب له كمين, فالحرب مع الروم والفرس حرباً عظيمة وشرسة ومن المحتمل أن ينصب الأعداء كميناً له ولأصحابه, فكان رضي الله عنه حذراً يحكّم عقله في كل شيء ولا يندفع بتهور, وكأنه لا يقول بلسان حاله: النصر من عند الله ولكن يجب علينا أن نأخذ بالأسباب, وأنّ نتوكل على الله حق التوكل دون إفراط أو تفريط وهذا الحذر وهذه الفطنة لدى خالد تندرج تحت الإعداد المادي والمعنوي لمواجهة العدو والتي أمرنا الله بها بقوله تعالى ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ .. ﴾ الأنفال.60
ت - من السرّية العسكرية التي اتبعها خالد بن الوليد - رضي الله عنه - تقليل المراسلات بينه وبين الصديق رضي الله عنه, فذهب خالد إلى الحج وعاد منه دون أن يعلم الصديق وذلك لأنّ إعلام الصديق يستغرق وقتاً طويلاً من حيث ذهاب الرسالة إلى عند الصديق وعودة الرد منه, وكذلك إعلام الصديق قد يجعل بعض المندسين بين المسلمين ممن قد يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر يعلمون بمفارقة خالد للجيش ويعلِمون أعداء الإسلام, لذلك آثر خالد السرية والكتمان تطبيقاً لأهم مبادئ الحرب العسكرية (السرية) حرصاً على سلامة الجيش وسعياً لتحقيق النصر, وهذا الأسلوب أسلوب السرية وتقليل المراسلات يعتبر من أهم مبادئ