تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

رسائل عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم إلى القضاة تقيم دستور التقاضي بين الناس، وترشد إلى أقوم المناهج في الإجراءات القضائية ·

وهذه الإجراءات القضائية كثيرة وواسعة، وتنسجم مع كل وسيلة تساعد في إحقاق الحق، وفصل المنازعات، وتدخل في عنوان "السياسة الشرعية للإمام والدولة " (1) ·

وقد تختلف - أحياناً - إجراءات التقاضي بين الدعوى المدنية والشرعية، والدعوى الجنائية، ويظهر الفارق بما يسبق الدعوى الجنائية من تحقيق تقوم به الشرطة والأمن الجنائي المعاصر، وقاضي التحقيق، وقاضي الإحالة، ويبرز فيها دور النيابة العامة، والمحامي العام، والحق العام، أو حق الله، أو حق المجتمع، مع مايرافق الدعوى الجنائية من حبس المتهم احتياطاً، وتقييد حريته، وقد يناله شيء من التهديد والإنذار لحمله على كشف الحقيقة والاعتراف بها، وهذا إذا قويت الشبهة حوله، وتعددت القرائن التي تدينه، وتشير إلى جنايته، وفي الأمور المدنية يتم حجز المتنازع فيه أو توضع عليه إشارة الحجز، أو يوضع في مكان خاص، ويعين له حارس قضائي ·

ولابد من الإشارة أيضاً إلى البساطة في الإجراءات القضائية في الإسلام، لسهولة الوصول إلى الهدف والعناية، ويساعد على ذلك التربية الدينية، والوازع الداخلي، والضمير الديني، ومراقبة الله تعالى، والخوف منه، وما يترتب على ذلك من قلة المنازعات والدعاوى ·

ويمكننا أن نشير هنا باختصار شديد إلى أهم الإجراءات القضائية في القضاء الإسلامي، وأن المؤسسات القضائية تسير على أربع مراحل فقط، في سبيل قطع النزاع، وإنهاء الخلاف، ورد الحق إلى صاحبه ومنع الاعتداء، وهي الدعاوى، والإثبات، والحكم والتنفيذ، وأفرد الفقهاء لكل منها كتاباً فأكثر، وصنفوا في كل منها مؤلفات كاملة، ونعرف كلاً منها بسطور ·

أولاً: الدعوى:

عرفها بعض الحنفية بقولهم: " مطالبة حق في مجلس من له الخلاص عند ثبوته" (1)، وعرفها القرافي المالكي بقوله: " طلب معين، أو ما في ذمة معين، أو مايترتب عليه أحدهما، معتبرة شرعاً، لا تكذبها العادة " (2) ·

وعرفها الخطيب الشربيني الشافعي بقوله: " إخبار عن وجوب حق على غيره عند حاكم" (3) ·

وعرفها ابن قدامة الحنبلي بقوله: "إضافة الإنسان إلى نفسه استحقاق شيء عليه" (4) ·

واستنتج الدكتور محمد نعيم ياسين تعريفاً عاماً فقال: " هي قول مقبول، أو ما يقوم مقامه، في مجلس القضاء، يقصد به إنسان طلب الحق له، أو لمن يمثله، أو حمايته " (1) شفهياً أو كتابياً ·

ويمكننا اختصار ذلك بأن الدعوى: إخبار الشخص بحق لنفسه على غيره في مجلس القضاء (2) ·

والشريعة الغراء حصرت الوصول إلى الحق عن طريق رفع الدعوى أمام المحاكم التي تقيمها الدولة، وتشرف على تنظيمها، وسير العمل فيها، وبذلك قضت إلى الأبد - ومنذ أربعة عشر قرناً - على أسلوب القضاء الفردي، والانتقام الشخصي، والأخذ بالثأر، والاعتماد على قوة الخصم، أو القبيلة، أو سطوة العشيرة في سبيل الوصول إلى الحق، وإن فقدت القوة الخاصة ضاع الحق، وقد نقلت الشريعة هذه القوة إلى الدولة، لتحمي الحق لصاحبه، مهما كان وضعه، سواء كان قوياً أم ضعيفاً، ولا تزال كلمة أبي بكر الصديق المأثورة تجلجل في أصداء التاريخ عندما قال:"القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أعطيه حقه" (3)، قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله، وأطيعوا الرسول، وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول، إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر (4) · ثم قال تعالى: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت، ويسلموا تسليماً (5) ·

وللدعوى أركان وشروط، ولها أنواع وقواعد وأسس وأحكام ·

القضاء في الإسلام · الصفحة ١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القضاء في الإسلامص ١٧