وتشير المعلومات إلى أن الجغرافي جومار والمستشرق الفرنسي سلفستر ده ساسي هما اللذان اكتشفا موهبة الطهطاوي في اللغات والترجمة, فوجّهاه نحو هذا الحقل من التثاقف, فكان امتحانه النهائي في العام 1830 عبارة عن تقديم مجموعة من الترجمات إلى اللغة العربية, شملت دراسات في التاريخ والسياسة والحقوق والأخلاق وعلم المعادن والطب والهندسة, كما شملت مواد امتحانه مخطوطته التي ذاع صيتها لاحقا, والتي وصف فيها باريس تحت عنوان (تخليص الإبريز في تلخيص باريز).
ولعلّ المتأمل في مبادرة الطهطاوي لتلخيص باريس, يربط ما بين مشروع وصف مصر الكبير من قبل علماء الحملة الفرنسية ومن بينهم أستاذه جومار الذي استكمل إصدار المجموعة في العام 1828 والمبادرة المتواضعة لدى الطهطاوي في وصف باريس ليستخلص ما فيها من (إبريز), أي من (حسنات) و(منافع) للنهوض بالمجتمع المصري ودولته الجديدة: دولة محمد علي باشا, راعية البعثات المصرية إلى أوربا ولاسيما إلى فرنسا.
إلا أنه بين الوصفين يقوم تفاوت تاريخي ذو دلالات, لا لناحية تفاوت الزمن, بل بشكل أساسي لناحية التفاوت بين الموقعين والنظرتين ووظيفة المعرفة ومنهجها في كل من المشروعين.
تتضمن نصوص وصف مصر معرفة استشراقية للمجتمع المصري وتاريخها آثاره وفنونه وبشره, أي معرفة تتملّك موضوعها وتهيمن عليه بالمعنى الذي يذهب إليه إدوارد سعيد في كتابه (الاستشراق).