تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الدنيا، وتفضيل الآخرة عليها ... وكلا الغرضين مقصود باقٍ على حالة، كقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ﴾ ١.

وكقولهم: "ليس من المروءة أن يتخلى الشريف عن أصدقائه ساعة الشدّة: بل يقيهم بماله، ويدفع عنهم بنفسه".

وحكم الحرف: "بل" الداخل على الجملة أنه حرف ابتداء محض يفيد الإضراب٢ -كما أسلفنا- ولا يصح اعتباره حرف عطف ولا شيئا آخر غير الابتداء، فالجملة بعده مستقلة في إعرابها عما قبلها، ولا يصح إعرابها خبرًا ولا غير خبر عن شيء سابق عليه٣ ...

١ غفلة، أو انهماك في الباطل، ووُصِفت القلوب بهذا مسايرة لاعتقاد العرب أن القلب هو مقر العقل والغرائز، ومصدر الخير والشر.

٢ سبقت إشارة -في رقم ٢ من هامش ص٥٩٧ إفي فروق بين "أم" المنقطعة حين تكون للإضراب، و"بل" منها: أن الذي بعد "بل" يقين غالبا، أما الذي بعد "أم" فطن ...، جاء الكتاب: "المحتسب" لابن جني ج٢ ص ٢٩١ في الآية الكريمة من سورة الطور: ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ وقراءة من قرأها: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ ما نصه: "قال أبو الفتوح: هذا هو الموضع الذي يقول أصحابنا فيه: إن "أم" المنقطعة بمعنى: إلا أن ما بعد "بل" متقين، وما بعد "أم" مشكوك فيه، مسؤول عنه، كقول علقمة بن عبدة:

هل ما علمت وما تستودعت مكتوم؟ ... أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم؟

سطر ممحى مشكوم: مجازى ...

ألا ترى إلى ظهور حرف الاستفهام وهو: "هل" في قوله: أم هل كبير بكى ... حتى كأنه قال: بل هو كبير ... ترك الكلام الأول وأخذ في استئناف مستأنف.

وقد توالت "أم" هذه في ها الموضع من هذه السورة؛ قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ أي: بل أيقولون ذلك. وقوله تعالى: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ؟﴾ أي: بل أهم قوم طاعون؟ ... أخرجه مخرج الاستفهام، وان كانوا عنده تعالى قومًا طاغين؛ تلعبًا بهم وتهكمًا عليهم. وهذا كقول الرجل لصاحبه الذي لا يشك في جهله: أجاهل أنت؟ توبيخًا له، وتقبيحًا عليه. ومعناه: إني قد نبهتك على حالك فانتبه لها، واحتط لنفسك منها، قال صخر:

أرائح أنت يوم البين أم غادي ... ولم تسلم على ريحانة الوادي

ليس يستفهم نفسه عما هو أعلم به؛ ولكنه يقبح هذا الرأي لها، وينعاه عليها" ا. هـ.

٣ يقول السيوطي في الهمع - ج١ ص٩٦- ما نصه خاصًا بالخبر: "لا يسوغ الإخبار بجملة ندائية؛ نحو: زيد يا أخاه، ولا مصدرة بلكن، أو: بل، أو: حتى -بالإجماع في كل ذلك".

النحو الوافي · الجزء ٣ · الصفحة ٦٢٤

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

النحو الوافيج ٣ · ص ٦٢٤