وقد رأيت فيما ذكرناه آنفًا أن مذ ومنذ، إذا كان بمعنى "من"، كان مجرورهما معرفة، فقد قال ابن عقيل: "وإن وقع ما بعدهما مجرورًا فهما حرفًا جر بمعنى "من"، إن كان المجرور ماضيًا"، فقال العلامة الخضري: "قوله بمعنى من"، أي: البيانية١ هذا إذا كان المجرور معرفة كمثاله، فإن كان نكرة فهما بمعنى "من" و"إلى" معًا، ولا تكون النكرة إلا معدودة لفظًا، كمذ يومين، أو معنى، كمذ شهر، لما مر من أنهما لا يجران المبهم. ا. هـ، ونحو ذلك في الأشموني، قال:. . . ثم إن كان ذلك "في مضي فكمن هما" في المعنى، نحو: ما رأيته مذ يوم الجمعة. ا. هـ.
ويتضح من ذلك أن في الموضوع مذهبين: أحدهما يشترط تعريف مجرور مذ ومنذ إذا كان بمعنى "من"، مع مضي الزمن، والثاني لا يشترط غير مضي الزمن ٢.
ز قال العلامة الشيخ ياسين بن زين الدين العليمي الحمصي في حاشيته على شرح التوضيح، عند قول المتن: "أحدهما أن يدخلا على اسم مرفوع، نحو: ما رأيته مذ يومان"، ما يأتي:
"قوله: مذ يومان"، قال الزرقاني: قال الرضي: قال الأخفش: لا تقول: ما رأيته مذ يومان وقد رأيته أمس ويجوز أن يقال: ما رأيته مذ يومان، وقد رأيته أول من أمس أما إذا كان وقت التكلم آخر اليوم فلا شك فيه؛ لأنه يكون قد تكمل لانتفاء الرؤية يومان. . . قال: ويجوز أن يقال في يوم الاثنين مثلًا: ما رأيته منذ يومان: وقد رأيته يوم الجمعة ولا تعتد بيوم الإخبار ولا يوم الانقطاع، قال: ويجوز أن تقول: ما رأيته منذ يومان، وأنت لم تره منذ عشرة أيام، قال: لأنك تكون قد أخبرت عن بعض ما مضى أقول وعلى ما بينا، وهو أن منذ لا بد فيه من معنى الابتداء في جميع مواقعه، لا يجوز ذلك٣".
١ قال العلامة الصبان عند قول ابن مالك: "وإن يجرا في مضي فكمن" ما يأتي: "قوله: فكمن"، أي: الابتدائية. ا. هـ، وهو أولى وأظهر من تسمية الخضري إياها بالبيانية.
٢ اللهم إلا إذا كان ابن هشام يريد النص على ابتداء الغاية عند مضي الزمن، فسكت عن "إلى"، فلا منافاة على هذا بين قوله هذا وقول سائر النحاة.
٣ يظهر أن اسم الإشارة راجع إلى ما مثل به، ابتداء من قوله: "ويجوز أن تقول في يوم الاثنين مثلًا. . ." إلى قوله: "ما مضي"، وذلك؛ لأن عدم الاعتداد بيوم الانقطاع، ينافي معنى الابتداء الذي يفيده مذ ومنذ، وكذا يقال في المثال الثاني.