وهذا كلام محكم دقيق تلوح منه معالم منهج التربية الإسلامية ممتزج بأصول الفقه وهذا ليس فيه أن الكليات ثابتة والجزئيات متغيرة كما فهم بعض الباحثين، بل في النص المنقول ما هو صريح بثبات النوعين، حيث يقول الإمام الشَّاطِبي عن المرحلة المدنية التي تبعت المرحلة المكية "... فتفصلت تلك المجملات المكية وتبينت تلك المجملات وقيدت تلك المطلقات وخصصت بالنسخ أو غيره تلك العمومات ليكون ذلك الباقي المحكم قانوناً مطرداً وأصلاً مستناً إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وليكون ذلك تماماً لتلك الكليات المتقدمة وبناء على تلك الأصول المحكمة فضلاً من الله ونعمة..." (570).
فالمجموع من الكلي والجزئي، محفوظ ثابت، وقانون مطرد في جميع العصور والأزمان، والمدني مبني على الكليات المكية المتقدمة ومتمم له.
بقي أن ننظر في السبب الذي تحمل الباحث على أن يستنتج ذلك المعني الفاسد فنجد ذلك يرجع إلى عدم فهمه لقول الأمام الشَّاطِبي: "... وأما الأحكام المدنية فمنزلة في الغالب على وقائع لم تكن تقدم من بعض المنازعات والمشاحات..." (571).
فنقل النص من معنى صحيح إلى معنى فاسد، والمعنى الصحيح كما قدمت آنفًا، أن من أسباب تفصيل الأحكام الجزئية في المدينة هو حدوث وقائع لم تكن فيما تقدم- في المرحلة المكية- وقد علل الشَّاطِبي ذلك تعليلاً حسنًا.
والمعنى الفاسد الذي استنتجه الباحث هو كما قال:"إن الأحكام المدنية منزلة في الغالب على وقائع غير الكليات المقررة لمكة..." (572)، وأنها تخالفها من حيث الثبات (573) .
ودخل عليه الفساد من أوجه عدة منها :
1- عدم ملاحظته للمعنى الجلي الذي يدل عليه كلام الشَّاطِبي ومنه:
(أ) أن الأحكام الكلية بمكة والجزئية بالمدينة أصبحت بعد انقطاع الوحي قانوناً مطرداً وأصلاً ثابتاً إلى يوم القيامة (574) .
(ب) أن الأحكام المدنية الجزئية إنما جاءت لتكون تماماً لتلك الكليات المكية المتقدمة (575).