تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما قصة عمرو بن العاص، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان أرسل عَمْراً في سرية، وهي غزوة ذات السلاسل، وكانت إلى بني عذرة، وهم أخوال عمرو، فأمَّر عمراً ليكون ذلك سبباً لإسلامهم، للقرابة التي له منهم. ثم أردفه بأبي عبيدة، ومعه أبو بكر وعمر وغيرهما من المهاجرين. وقال: "تطاوعا ولا تختلفا" فلما لحق عَمْراً قال: أصلّي بأصحابي وتصلّي بأصحابك. قال: بل أنا أصلّي بكم؛ فإنما أنت مدد لي. فقال له أبو عبيدة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أطاوعك، فإن عصيتني أطعتك. قال: فإني أعصيك. فأراد عمرو أن ينازعه في ذلك، فأشار عليه أبو بكر أن لا يفعل. ورأى أبو بكر أن ذلك أصلح للأمر، فكانوا يصلّون خلف عمرو، مع علم كل أحدٍ أن أبا بكر وعُمَر وأبا عبيدة أفضل من عمرو.

وكان ذلك لفضلهم وصلاحهم؛ لأن عمراً كانت إمارته قد تقدّمت لأجل ما في ذلك من تألّف قومه الذين أُرسل إليهم لكونهم أقاربه. ويجوز تولية المفضول لمصلحة راجحة، كما أُمِّر أسامة بن زيد، ليأخذ بثأر أبيه زيد بن حارثة، لما قُتل في غزوة مؤته. فكيف والنبي صلى الله عليه وسلم لم يؤمِّر على أبي بكر أحداً في شيء من الأمور؟!

بل قد علم بالنقل العام المتواتر أنه لم يكن أحد عنده أقرب إليه ولا أخص به، ولا أكثر اجتماعاً به ليلاً ونهارًا، سرًّا وعلانية، من أبي بكر، ولا كان أحد من الصحابة يتكلم بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم قبله، فيأمر وينهي، ويخطب ويفتي، ويقرُّه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك راضياً بما يفعل.

ولم يكن ذلك تقدماً بين يديه، بل بإذن منه قد عَلِمَه، وكان ذلك معونة للنبي صلى الله عليه وسلم، وتبليغاً عنه، وتنفيذاً لأمره؛ لأنه كان أعلمهم بالرسول وأحبهم إلى الرسول واتبعهم له.

شبهات وردود · الصفحة ٥٠٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شبهات وردودص ٥٠٤