قال صاحب كتاب "تعليل الأحكام": "فانظر إليه وقد ثبت على هؤلاء ما يوجب القطع، وبعد الأمر ينهى عن التنفيذ لما ظهر له ما يدفع الحد عنهم، وهو أنهم جاعوا فأخذوا مال الغير، وذلك لفهمه أن القطع عقاب للجاني من غير حاجة ولو كانت الأحكام كلها ومنها الحدود يتبع فيها النص المجرد لما ساغ له رضي الله عنه وهو من أعلم خلق الله بشرع الله أن يخالف قوله تعالى: ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) ومن أجل هذا المعنى نهى عن القطع عام المجاعة مع أن النص عام شامل لجميع الأوقات" (173) .
المناقشة: اشترط الشارع لوجوب القطع شروطاً وهي:
1- أن يكون المسروق نصاباً.
2- أن يكون من حرز.
3- أن لا يكون فيه شبهة ملك.
4- أن لا يكون آخذه محتاجاً إليه لسد رمقه.
فإذا تحققت هذه الشروط وجب الحد، وإذا تخلف أحدها لم يجب (174) .
وعلى كل شرط من هذه الشروط دليل شرعي، فأما شرط النصاب والحرز فظاهر، وأما شرط انعدام شبهة الملك والحاجة إليه لسد رمقه فلأن من أخذ مالاً له فيه شبهة ملك لا يعتبر سارقاً لمال غيره، وكذلك من أخذ ما يحتاج إليه لسد رمقه إنما أخذ مالاً له فيه حق، كما سرق غلمان حاطب بن أبي بلتعة وقد كان عمر يظن أنه يجيعهم فلذلك امتنع عمر عن قطعهم لوجود هذه الشبهة (175).
فإذًا الحد الذي أوقفه عمر رضي الله عنه إنما أوقفه لعدم تحقق شروطه التي اشترطها الشارع، بل إن عمر لا يستطيع أن ينفذ الحد الذي لم تحقق شروط تنفيذها لأن في ذلك مخالفة للشارع.
فالعموم في آية السرقة لا يصلح وحده لتطبيق الحد بل هناك شروط وردت في السنة لابد من اعتبارها، ومن اعتبرها- كما هو صنيع عمر - لا يقال له أنه خالف الآية.
وأيضًا فإن عدم القطع ليس سببه تعلق عمر بمطلق مصلحة أو دفع مطلق مفسدة أو اتباعًا لحكم العقل، بل سببه مراعاة نصوص أخرى وردت في السنة.