ونعود مرة أخرى لتحديد موضع النزاع فأقول: إن تغير حكم الحادثة إذا تغير جوهرها وأصبح لها خصائص مغايرة لطبيعتها الأولى أمر طبيعي لا ينبغي أن ينازع فيه أحد.
ويبقى النزاع في تغير حكم الحادثة التي لم يتغير جوهرها ولا شيء من خصائصها وحيثياتها.
نقول هذا ونؤكد عليه لأن هناك خلطًا بين هاتين القضيتين لا يمكن أن نخلص من آثار السلبية إلا أن ندخل في دراستنا لهذه المسألة من هذا المدخل وحينئذ نستطيع أن نفرق بين حكم الحادثة الواحدة ذات الخصائص والحيثيات الواحدة، وإن مرت عليها عصور متتابعة- ونجزم بأن حكمها الأول في العصر الأول ينبغي أن يكون هو حكمها نفسه في العصور الأخرى، لأن شيئًا من خصائصها وحيثياتها لم يتغير، وإذا أردنا أن نغير حكمها من المشروعية إلى المنع علمنا أنه لابد لنا من القول بالنسخ، والنسخ ليس لأحد من البشر، وإنما الذي ينسخ الأحكام هو الشارع، وقد انقطع بعد انقطاع الوحي، وبهذا نستطيع أن نفرق بين هذه الصورة - وبين الصورة الأخرى وهي انتقال الحادثة في الزمن الأول - لتصبح ذات خصائص أخرى تختلف عن خصائصها الأولى وهذه يختلف حكمها ويتغير لأن الأولى تعتبر حادثة مستقلة لها حكم خاص وذلك مثل حكم المؤلفة قلوبهم، وهو نفر من الناس لم يستقر الإيمان في قلوبهم، جعلت الشريعة لهم حقا في مال الصدقة، يتألفهم الإمام به، ليثبتوا على الإسلام فَيُسْلِم من ورائهم ويَسْلَم المسلمون من فتنتهم وشرهم، وهذا المعنى لا يخاف منه إلا عند ضعف الإسلام وحاجته لنصرتهم ومؤالفتهم، فالنص يوجب إذا إعطاء هؤلاء المؤلفة لهذا المعنى، فيأتي الإمام ليطبق هذا المعنى فيجد أمامه حالتين:
الأولى : حالة ضعف الإسلام، وقوم يحتاجون لهذا التأليف.
الثانية : حالة قوة الإسلام، وقوم يزعمون أنهم من المؤلفة قلوبهم.