عقد الإمام ابن القيم في كتابه (إعلام الموقعين) فصلا عن (تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والنيات والعوائد) وقد حمل سوء الفهم لهذا الفصل بعض الناس فجعل رأي ابن القيم ورأي الطوفي سواء (96)، ولكن الدارس لرأي ابن القيم من الأمثلة التي ساقها يتضح له أنه لا فرق بينه وبين رأي سائر الفقهاء في إثبات تغير الأحكام في دائرة المسائل التي سكتت عنها النصوص، أما في دائرة النصوص فالأحكام ثابتة، إلا إذا دَلَّ النص نفسه على تغيرها.
وقد أورد ابن القيم عددًا من الأمثلة لتغير الحكم، وكل أمثلته تدور على الحالات الآتية : (97)
1- الحالة التي يثبت تغير النص فيها نَصٌ آخر نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تقطع الأيدي في الغزو، فتعطيل الحد هنا في هذا الظرف ثابت في نص آخر.
2- الحالة التي تتعارض فيها المصالح التي تثبتها النصوص، ومثالها: ترك إنكار المنكر إذا كان يستلزم ما هو أنكر منه.
3- حالة يستعمل فيها القياس وإلحاق الأشباه والنظائر بأمثالها التي تثبتها النصوص، ومن أمثلة ذلك أن النص جعل صدقة الفطر في أصناف مخصوصة، فقياس عليها أمثالها من الأصناف التي تصلح أن تكون قُوتًا في البلاد التي لا يوجد فيها الأصناف التي حددها النص.
4- حالة استثنائية قاهرة خاصة بحالة العجز والضرورة، ومثالها: صحة طواف الحائض إذا خشيت أن تفوتها رفقتها في الحج، مع أن بعض النصوص يفهم منها عدم صحة ذلك في الأحوال العادية.
5- الحالات التي تتغير فيها عبارات العقود والأيمان والطلاق والنفور، تبعًا لتغير العُرْف والعادة في ذلك.
وليس من أمثلة ابن القيم مثال واحد لتقديم المصلحة على النص.
أحكام النصوص ثابتة:
ومن هذه المناقشات كلها لا نجد دليلا واحدًا يؤيد رأي (العصرانية) فيما تحاوله من فتح الباب لتغيير النصوص، بل إن الأحكام في دائرة النصوص أحكام ثابتة إلى يوم الدين لا تستطيع هيئة تشريعية أن تعدل فيها أو تغيرها.