قلت : هذا من أوهى ما نطقت به العقول؛ لأن عدم الإتباع أصلاً هو إتباع لسبيل غيرهم قولاً واحداً؛ لقوله تعالى: ﴿ فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: 32]؛ فثبت أنهما قسمان لا ثالث لهما.
فإن قيل: لا نسلم أن إتباع غير سبيل المؤمنين موجب لهذا الوعيد بل هو مع مشاقة الرسول صلى الله عليه وسلم فلا يلزم حرمة إتباع غير سبيل المؤمنين مطلقاً بل إذا كانت مع المشاقة.
قلت : معلوم أن المشاقة محرمة بانفرادها، مستقلة بنفسها لإيجاب الوعيد عليها؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾[الأنفال: 13]؛ فدلّ أن الوعيد على كل منهما بانفراده، وأن هذا الوصف يوجب الوعيد بمفرده، ويدل على ذلك أمور منها:
أ - أن إتباع غير سبيل المؤمنين لو لم يكن محرماً بانفراده لم يحرم مع المشاقة.
ب - أن إتباع غير سبيل المؤمنين لو لم يكن يدخل بانفراده في الوعيد لكان لغواً لا فائدة من ذكره؛ فثبت أن عطفه علة مستقلة كالأول.
فإن قيل : لا نسلم أن الوعيد لمن اتبع غير سبيل المؤمنين مطلقاً، بل بعد ما تبين له الهدى، لأنه ذكر مشاقة الرسول صلى الله عليه وسلم وشرط فيها تبين الهدى، ثم عطف عليه إتباع غير سبيل المؤمنين، فيجب أن يكون تبين الهدي شرطاً في الوعيد على إتباع غير سبيل المؤمنين.
قلت: قوله تعالى: ﴿ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾معطوف على قوله : ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى ﴾ فلا يكون قيد الأول شرطاً للثاني، وإنما العطف لمطلق الجمع والمشاركة في الحكم، وهو قوله تعالى: ] نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً}؛ فدل على أن كلا الوصفين يوجب الوعيد بانفراده.
ويدل عليه ما يأتي: