فهذه الآية في العقلاء دون شك وإن اختلف المفسرون في تعيينهم:
أ- فقيل: الجن، فقد روى البخاري ومسلم، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ( كان نفر من الإنس يعبدون نفرًا من الجن، فأسلم النفر من الجن واستمسك الإنس بعبادتهم، فنزلت: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ ). وفي رواية: (فأسلم الجنيون، والإنس الذين كانوا يعبدون لا يشعرون).
ب- وفي رواية أخرى عن عبد الله بن مسعود أنها نزلت في الملائكة، ومثله عن عبد الرحمن بن زيد.
ج- وفي رواية أنهم: عزير وعيسى وأمه والملائكة، رُوي ذلك عن ابن عباس ومجاهد.
فهذه الأقوال المنقولة عن السلف في تفسير هذه الآية ليس بينها اختلاف؛ لأنها عامة تشمل كل هذه الأقوال، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ثم إنه ليس مراد من فسرها بالجن أو الملائكة أنها خاصة بذلك، وإنما مراده مجرد التمثيل.
قال شيخ الإسلام: (وهذه الأقوال كلها حق، فإن الآية تعم كل مَن كان معبوده عبادًا لله سواء كان من الملائكة أو من الجن أو من البشر، والسلف رضي الله عنهم في تفسيرهم يذكرون جنس المراد بالآية على نوع التمثيل، كما يقول الترجمان لمن سأله ما معنى لفظ: الخبز؟ فيريه رغيفًا، فيقول: هذا، فالإشارة إلى نوعه لا إلى عينه.
وليس مرادهم بذلك تخصيص نوع دون نوع من شمول الآية للنوعين، فالآية خطاب لكل من دعا من دون الله مدعوًا، وذلك المدعو يبتغي إلى الله الوسيلة، ويرجو رحمته ويخاف عذابه، وهذا موجود في الملائكة والجن والإنس).
فمعنى الآية: أن الذين يدعوهم المشركون هم أنفسهم يتقربون إلى الله بالطاعات ويرجونه ويخافونه، فكيف يجوز دعاؤهم؟ وهذا كقوله تعالى: ﴿ أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِن دُونِي أَوْلِيَاء ﴾ .