تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فبادرته قائلاً: إننا قد جئناك في خصومة ونحن نؤمل سديد رأيك وصائب حكمك.

فقال الشيخ: لا بأس، إني مستمع إليكما فليدل كل منكما بحجته. ثم ابتسم وقال: فمن منكما يبدأ بالكلام، وتسديد السهام؟.

فاندفع صاحبي وقال: بينما كنت أسير إذ رأيت صاحبي هذا وقد وقف أمام جبل متصنما، وقد رفع صوته مترنما، بقصيدة ابن خفاجة المعروفة في وصف الجبل فدنوت منه وقلت: بالعقل ماذا يفعل شاعركم هذا؟ أيخاطب جبلاً؟!! إنما هذا عبث نشأ عن الفراغ ونوع من الأوهام والخيالات. فطلب صاحبي أن نتحاكم لديك وها نحن بين يديك ..

والأمر واضح. فكم من إنسان في هذه الدنيا قد أضاع عمره فيما لا طائل تحته ولو تفكر لظن بجهده أن يصرفه فيما لا نفع فيه.

يقول الشاعر: من علا رام العلا ... ويقنع بالدون من كان دونا

والأدهى والأمر أن يعجب كثير من الناس بالشعراء الذين أضاعوا أعمارهم فيما لا نفع فيه، كهذا الشاعر في مخاطبته للجبل فتجد كثيرا من الناس يثنون على هؤلاء الشعراء في كل موطن كأنهم قد فعلوا العظائم وأتوا بما لم تستطعه الأوائل قال تعالى: ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون * ألم تر أنهم في كل واد يهيمون * وأنهم يقولون ما لا يفعلون﴾

ما هذا الشاعر في مخاطبته للجبل إلا شاعر هائم يتبعه الغاوون قد ذهب به خياله كل مذهب .. لو كان مر بمسكين فأعطاه، أو جائع فأطعمه، أو عار فكساه لانتفع هو وانتفع الناس بدلا من كلام في كلام لا مغزى منه ولا طائل تحته.

لو كان كلامه دفاعاً عن الإسلام وتوضيحا لدين الله، أو كان كلامه حكمة، أو كان حثاً على المعالي لأصاب.

أما أن يخاطب الجبل و يجعل الجبل يتكلم إليه فلا أظن عقلاً يقرّ هذا ويرضاه.

وهنا سكت صاحبي. فخلعت عن سيفي غمده وتحدثت فقلت: أما وقد حكم صاحبي العقل؛ فإني لن أتحدث إلا بمنطق العقل ولن أتكلم إلا بحججه.

إن العقل لو تأمل لرأى في قصيدة ابن خفاجة في وصف الجبل وأمثالها فوائد كثيرة.

المتآلفة · الصفحة ٢٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المتآلفةص ٢٤