ثالثًا: الحكمة من الرفع
وبعد أن نفى الله حدوث الصلب، وأكد وقوع التشبيه قال عز وجل: ﴿بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما﴾ [النساء: 158].
فجاء ذكر الرفع مجملًا إثباتًا لتمام قدرة الله «العزيز» على إنجاء عيسى، وحكمته «الحكيم» من رفعه إلى السماء، بينما ذُكر الرفع مفصَّلًا في قول الله تعالى: ﴿إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون﴾ [آل عمران: 55].
حيث جاء على ثلاث مراحل:
الأولى: ﴿متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا﴾
والثانية: ﴿وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة﴾
والثالثة: ﴿إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون﴾
والعلاقة المنهجية بين هذه المراحل هي ترتيب كل مرحلة على التي قبلها ..
فتمام المرحلة الثانية؛ أي: وصول الذين اتبعوا المسيح «على الحق» إلى قمة علوِّهم فوق الذين كفروا بنزوله، وتأييده لهم- لا يكون إلا بتمام المرحلة الأولى؛ أي: برفعه وتطهيره من الذين كفروا ..
وكذلك المرحلة الثالثة -وهي قيام القيامة ووقوف الخلق أمام الله للحساب- لن تكون إلا بتمام نزول المسيح وقتله الدجال .. لأنه من أشراط الساعة ..
والآن نناقش حكمة الرفع من خلال:
«المرحلة الأولى»: ﴿إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا﴾
مُتَوَفِّيك: التوفية .. انقضاء الأجل في الدنيا.
وأصل كلمة الوفاة هو: التمام والكمال، قال تعالى: ﴿وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم﴾ [البقرة: 40]، ﴿يوفون بالنذر﴾ [الإنسان: 7]، ﴿وإبراهيم الذي وفى﴾ [النجم: 37].