وثارت ثائرة المتشاجرين وقد أعماهم السكر فحطموا الحانة وانطلقوا ينهبون ويسلبون حي اليهود ويفتكون بهم فتكا ذريعا. وانتشرت الاضطرابات في سرعة في كل مكان، وانقض الأهلون في كل مدينة يقتحمون أحياء اليهود وينهبونها ويحرقون منازلهم. وبعد أسابيع كانت روسيا الغربية من البحر الأسود إلى بحر البلطيق شعلة نار مضطرمة ضد اليهود، وقد أحرقت مساكنهم ودمرت دورهم ونهبت ممتلكاتهم وسفكت دماؤهم. وذبح مئات من الرجال والأطفال اليهود، وهتكت أعراض المئات من اليهوديات، وأصبح الآلاف منهم لا يجدون مأوى ولا طعاما. وانتشرت المذابح والحرائق في أكثر من 167 مدينة وقرية بينها «وارسو» و«أودسا» و«كيف». وضجت أوروبا لهذه الفظائع، واتهمت الحكومة الروسية بأنها تؤيد هذه المذابح لتشغل الناس عن دعاية الفوضويين وعن التذمر من الحكم القائم في البلاد. ومما لا شك فيه أن أولي الأمر الحربيين والملكيين في روسيا كانوا يؤيدون هذه الحركة ولا يتخذون أي إجراء لإخمادها ومقاومتها. ومع أن القيصر أبدى في أول الأمر استياءه من هذه الحركة إلا أنه ما لبث أن ارتاح لها تحت تأثير وزرائه، وأصدر مرسوما قيصريا يقضي بوقف تدخل اليهود في شئون البلاد، وإرغامهم على أن يقيموا في أحيائهم لا يغادرونها ولا يشتركون في الشئون العامة، فكأنما قضى عليهم بالاعتقال الأبدي وحرمهم من كل الحقوق المدنية. وكان تأثير هذا المرسوم شديدا في الممالك الأخرى؛ إذ دل على قسوة لا مبرر لها، واحتجت دول أوروبا وأرسلت الحكومة الإنجليزية نداء إلى القيصر تناشده فيه أن يكف عن اضطهاد اليهود، فكان جوابه: «لا أريد أن أسمع شيئا عن هذا الشعب.» وكان من أثر هذا القانون القيصري أن شلت الحركة التجارية والمالية في البلاد، خاصة وقد هاجر من روسيا 78 ألف يهودي، وحملوا معهم ما قدرت قيمته بنحو 60 مليون روبل من أموالهم. ولما انتهت هذه الاضطرابات في سنة 1882م تبين من الإحصائيات أنها كلفت روسيا أكثر مما كلفتها حربها مع تركيا في سنة 1877م؛ فقد وقفت حركة التجارة وأفلست بنوك عديدة، ونقلت أموال جمة إلى مصارف أجنبية، ونزلت أسعار الأوراق المالية الروسية. ومع ذلك فإن الحكومة الروسية مضت في سياستها التي تقضي بالقضاء على اليهود؛ فغادر روسيا العدد الكبير من اليهود، واستمرت هذه الاضطهادات ثلاث سنوات إلى أن مات القيصر فكان خلفه أقل صرامة، وقد تعبت البلاد من تلك الحوادث الدموية فخفت تلك الاضطهادات.
اضطهاد اليهود في إنجلترا
وحين حكم السكسون إنجلترا، كان عدد اليهود قليلا، وكانت حرفتهم التجارة وقد زادوا مع وصول وليم الظافر في 1070م، وأقاموا في لندن «في أولد جوري شيبسايد»، وفي أكسفورد وغيرهما، وقد استمتع يهود فرنسا المهاجرون إلى إنجلترا بشيء من الحرية ورغادة العيش.
غير أنه قد كدر صفو عيشهم ما اتهموا به في عهد حكم ستيفين، بأنهم قتلوا في «نوريش» صبيا مسيحيا في 1144م، وكان هذا هو الاتهام الأول من هذا القبيل في العالم، وقد تبعه في إنجلترا اتهامان آخران على غراره.
ولئن كانوا قد استمتعوا في عهد هنري الثاني بشيء من الحرية والسلام، غير أنه قد حدث أن أشاع الغوغاء في إنجلترا حين احتفل بتتويج الملك ريتشارد قلب الأسد أن جلالته قد أمر بذبح اليهود. فسرعان ما كانوا فريسة السلب والنهب، وكانت دورهم عرضة للحريق والدمار، وزاد هذا حين خرج الملك في الحرب الصليبية. وقد حدث في «يورك» أن أحد الرهبان كان بين محاصري قلعة لجأ إليها اليهود، قد رماه أحد هؤلاء بحجر فثار ثائر المحاصرين للقلعة، واضطر اليهود أن يقتلوا أنفسهم بأيديهم، فقد ذبح رئيسهم «جوس» زوجه وأولاده، وذبح الكاهن اليهودي بوم توساس جويني-جوس ثم قتل نفسه. وقد حبس الملك جون جميع اليهود وصادر أموالهم.