وكان هناك بين الحين والحين أناس منعزلون أصاخوا إلى تعاليم الأنبياء، وعلى رأس أولئك الملك جوزياس.
1
الفصل الخامس
| أصل الديانة اليهودية
كانت الديانة الكنعانية ذات طابع سامي متعددة الآلهة، فكان لكل مدينة، بل لكل حقل، بل لكل كرمة عنب، ولكل بئر وينبوع سيدها «بآل. أدون»، أو سيدتها «بآله»، وهو مالكها وحاميها المقدس. وكانت مراسم الحياة الجنسية تحت رعاية الآلهة استارته «أو أشيره»، ويقابلها عند البابليين «إستار»، وكان يخدمها أتقياء وتقيات منحوا أجسامهم تكريما لقداستها.
وإلى هؤلاء الآلهة الرئيسيين - ثم آلهة أقل مرتبة، وهي أرواح - كانت الصور المزخرفة تقدم احتراما للعابدين وللمعبودين. وإلى جانب المذبح تقام عماد من الخشب «آشيرة»، أو عامود من الحجر «مازبة». أما المذبح فهو مائدة الإله توضع عليه الهدايا شكرا لوفرة المحصول أو غزارة الماشية، وكانت هناك كئوس تستقبل دم الضحايا من الحيوان أو يصب فيها النبيذ، ويدخل العابدون مع الإله مشتركين في الوليمة المقدسة. وكان الحيوان يوضع أحيانا على المذبح لكي يفنى على النار ويصعد البخار كرائحة طيبة نحو الإله، والمفروض أن مقامه في السماء، وكان يحتفل بالمواسم الزراعية الدورية وجمع الفاكهة في مرح صاخب، ويصحب هذا رقص على نغمات الموسيقى الصاخبة، وإسراف في شرب الخمر واللذات والطعام، مغمدين السيوف والحراب في أجسامهم إلى أن يسيل الدم منها. وكانت الألقاب الفخرية المقدسة تمنح إلى أرواح الموتى، وكذلك كان الطعام يقدم إلى المدفن، وكان في الوسع الحصول على الأخبار عن طريق السير ليلا في المقابر أو مناجاة أرواح الموتى، كما كانت الأولاد تحرق، سواء لأغراض مقدسة أو تضحية من أجل باعث غير عادي.
وكان اليهود في بداية إقامتهم في كنعان يروعهم هذه التضحيات. غير أنهم مع الأيام، انتهوا إلى محاكاتها وإدخالها بتفصيلاتها كلها إلى طقوسهم، على أنهم ارتدوا إلى صفاتهم الأولى حيال ما شهدوا من صنوف الفساد وعواقبه البغيضة الناشئة عن حضارة آسنة.
غير أنه قد بقي أثر مظاهر تلك الطقوس الكنعانية كالمازبة «الدعامة»، الذي يوجد إلى جانب المذبح، الذي حل محله الآن «الطيبة»، وهي ما يشبه المصطبة التي يقف عليها الكاهن. وكذلك النبيذ الذي يوضع الآن في كأس ويشرب في المعبد هو أثر لدم القرابين، والكبش الذي كان يضحى به ويحرق على المذبح كان موضع تكريم الإسرائيليين إلى أن ألغي على أثر تدمير معبد القدس.
ثم إن لغة اليهود - كما سنوضحها - كانت ذات لهجة آرامية أقرب إلى العربية. والآرامية تنسب إلى آرام بن سام، وترجع إلى بعض القبائل السامية، التي نزحت طائفة منها إلى أرض كنعان التي عرفت باسم فلسطين منذ القرن الثالث عشر ق.م. كما نزحت طائفة أخرى إلى العراق في القرن العاشر ومنهم الكلدانيون. أما من بقي منهم هناك فقد لبثوا يتكلمون هذه اللغة منذ العصر العباسي، ومنهم أيضا الآشوريون. وثمة طائفة ثالثة أقامت في الشام وقضت على الحيثيين.
جاء اليهود «الآراميون» إلى أرض كنعان «فلسطين»، وتكلموا لغتها الكنعانية، كما كتبوا بها مع تأثر بالآرامية، فاختلفت لغة اليهود التي أطلق عليها عندئذ اسم العبرية عن الكنعانية بعض الاختلاف.
ولعل الكتاب المقدس هو أكبر مصدر عن اليهود تاريخا وأدبا عبريا، والكتاب المقدس يشتعب العهد القديم «التوراة» والعهد الجديد «الإنجيل»، وهو كتاب دين وتاريخ وأدب. فأما التوراة فهي أساس الديانة اليهودية والأدب اليهودي، وهي - إلى هذا - أساس الديانة المسيحية؛ ذلك أنه بينما يؤمن المسيحيون بالتوراة وبالإنجيل، يؤمن اليهود بالتوراة والتلمود.
التوراة
التوراة كلمة عبرانية معناها: الشريعة، أو الناموس، وهي تطلق عند اليهود على خمسة أسفار «كتب» يقولون إن موسى كتبها. وهي سفر التكوين - بدء الخلق - وسفر الخروج، وسفر اللاويين، وسفر العدد، وسفر تثنية الاشتراع كما سنوضحه بعد.