لم يقف الدرافيديون أمام الغزو الآري طويلا وفي كل مكان، بل إنهم تراجعوا أمام الآريين أو أذعنوا لهم؛ لأنه بينما كانت آلات الدرافيديين من الحجر، كان سلاح الغزاة وأدواتهم من المعادن، ومن ثم كانت لهم الغلبة على الوطنيين الذين فقدوا أرضهم وحريتهم وأصبحوا عبيدا للغزاة بل قطعانا، غير أن سكان الجنوب قد وقفوا الغزو الآري قرونا أمام تلال الفيندايا والغابات التي تكاد لا يمكن اقتحامها.
هذا ومنذ التاريخ القديم جدا كان يسكن السهول الواسعة أناس من الرعاة يطلق بعضهم على البعض الآخر اسم «آرياس»؛ أي الإخوان، دب بينهم دبيب الخصومة والانقسام فهاجرت منهم جماعات في فترات غير متلاحقة جنوبا، متخذين من الصخور فئوسا عاونتهم في تحطيم الأشجار مع اتخاذ أخشابها في فلاحة الأرض والدفء وبناء الأكواخ، ووسعهم أن يستخدموا أبناء الأقوام التي غلبوها على أمرها في الزراعة قانعين بالسيادة وبالحرب والغزو، الذي امتد إلى السهول الخصبة الفسيحة في الشمال الغربي من بلاد الهند، متغلبين على المقاومة العنيفة التي أبداها الداسيون، السكان الأصليون لهذه المنطقة، فدانوا للقوة الغاشمة الغازية، وأطلق عليهم الناس بعدئذ اسم «شودارس» الذين تألفت من بعضهم طبقة المنبوذين، بعد أن فر الباقون إلى مستنقعات الدكن وغاباته ولبثوا هناك إلى اليوم.
الفصل الثالث
| الآريون في الهند
عند «ماكس ميلار» في كتابه «بيوغرافية الكلمات ووطن الآريين» أن الآرية مجموعة لغات تسمى الأنيدو بوروميان، وأن الآريين هم الذين يتكلمون إحدى اللغات الآرية مهما يكن لون بشرتهم وموقع بلادهم. وعند «إ. و. هو بكينز» في كتابه «الهند القديمة والجديدة» أن جماعة الريجافيدا كانت في منطقة أومبالا، وأن أفرادها كانوا يفخرون بأنهم آريون.
هذا والآريون كانوا في الأصل يسكنون هضبة إيران، وكانوا قبائل عديدة، منها ما ذهب غربا إلى آسيا الصغرى وأوربا، ومنها ما ذهب شرقا إلى الهند، كانوا أهل بداوة ورحالة ومراعي وحرب وهمجية ولصوصية وغزو . ويقال: إن كلمة آري سنسكريتية الأصل ومعناها النبيل، وأن اللغة الآرية واسمها «الهندوأوربية» لغة رئيسية تجيء في المنزلة العالمية القديمة بعد اللغة السامية. والآرية قسمان: (1)
الأوربية:
وتشمل التيوتونية واليونانية والكلتية والإيطالية. (2)
الأسوية:
وتشمل الألبانية والأرمنية والهندوإيرانية، والإيرانية القديمة، والباليتوسلوفية، والسنسكريتية.
شعوب آسيا
قد تكون كلمة «آسيا» مشتقة من أصل آشوري أو عبري، فتكون دالة على «شروق الشمس». كذلك قد تكون كلمة أوربا مشتقة الاشتقاق نفسه، فتكون دالة على «غروب الشمس». ومهما يكن من الأمر، فإن المسألة غامضة. هذا ويبدو أن الروس شعب شرقي، من ناحية أرومته، وأنهم يشبهون الترك والهنود والصينيين؛ كما يبدو أن الصينيين جاءوا إلى بلادهم من ناحية حدودها الغربية، وأن الهنود والإيرانيين جاءوا من ناحية الشمال الغربي، وجاء سكان بورما وسيام من الشمال. أما الترك والمغول فقد جاءوا من وسط آسيا.
استقرار الآريين وحضارتهم في الهند
عند الهندوسيين أن تاريخ الهند يبدأ منذ أكثر من 3000 سنة ق.م؛ أي بالحوادث المفصلة في الملحمة العظيمة «ماهابهاراتا»، وأن أبعد نظرة تاريخية تبين لنا أنه كان هناك شعبان يناضلان في الأرض: (1) الدارفيديون، السكان الأصليون، وهم سود البشرة و(2) الآريون ذوو البشرة الجميلة النقية، وهم الذين جاءوا من ممرات الشمال الغربي لحدود الهند، وساقوا الدارفيديين إلى الجنوب، واحتل الآريون سهول الهندستان. كذلك يؤخذ من الريجافيدا، هذا التذكار الأدبي العظيم، أن الآريين قد نزلوا في البنجاب في عصر تحديده مجهول، أو قل منذ أكثر من 3000 سنة كما قدمنا.