ولكن هذا النوع من الغازات هو - لحسن الحظ - حميد النتائج لا يسبب الموت أو التهاب الرئتين كالغازات الخانقة، وأنه هو سبب الآلام المضنية والضيق الشديد. أما من الوجهة الحربية فيقصد من استعمالها «وكذلك الغازات المسيلة للدموع» أن تؤذي الإنسان بصفة مؤقتة؛ فيصير غير صالح للكر والفر في الهجوم والدفاع إذا كان جنديا في الميدان، أو تدخل في قلبه الرعب والجزع والاضطراب إذا كان من غير المحاربين. (3)
الغازات المسيلة للدموع:
وهي كثيرة، وأهمها ثلاثة:
أولها:
المسمى «كلورو أسيتو فينون» ويرمز له بحرف
C. E. P
وهو مادة صلبة بيضاء اللون، تتبخر بفعل الحرارة الجوية. ويسبب البخار المتصاعد منها تهيجا شديدا في العين فتسيل دموعها مدرارا، بل إن هذا البخار إذا تكاثف في مكان ما يسبب تهيجا لجلد الوجه واليدين؛ أي للأجزاء العارية من الجسم.
وثانيها:
ما يسمى «أثيل يودواسيتات» ويرمز له بحروف
K. S. K
وهو مركب سائل، قوامه كالزيت أو الجليسرين، وله رائحة نفاذة، ولا لون له إذا كان نقيا، ولكن استعماله في الحرب لا يقتضي أن يكون في نقاوة كيميائية كاملة؛ ولذا فإن لونه كما تنفجر عنه قنابله أو يلقى من الجو لون غامق. ويتبخر هذا السائل رويدا رويدا بفعل حرارة الجو، فيتصاعد منه لمدة طويلة بخار أو غاز شديد الإدرار للدموع، وقد يهيج الرئة والمسالك التنفسية أيضا.
وثالثها:
مركب يسمى «بروموبنزيل سيانيد»
B. B. C
وهو سائل بني اللون، ذو رائحة قوية تظل منتشرة أمدا طويلا في مكان سقوطه، ولكنه أقل فعلا من المركب السابق.
ومن الحظ الحسن كذلك أن هذه الغازات لا تسبب تلفا في العين، وخاصة إذا أسرع الإنسان في الهرب من الجو الملوث بها أو استعمل الكمامة الواقية، أما ضررها فناشئ من كثرة هطول الدموع كثرة تؤدي إلى إعاقة البصر، ومن ثم تعوق حركات الإنسان ونشاطه، ولكنها قد تعرضه للهلاك بقنابل أو غازات أخرى.
وقد يتذكر القراء أن هذه الغازات يستعملها رجال البوليس في بعض الممالك لتفريق المتجمهرين في المظاهرات؛ أي يطفئون حماستهم بماء مآقيهم. (4)
الغازات الكاوية الحراقة:
هي الثانية في ترتيب الخطورة بين هذه المركبات الكيمائية الجهنمية؛ إذ إنها أكثر ضررا وإيذاء من النوعين السابقين، ولكنها أقل خطرا من الغازات الخانقة كالكلور والفوسجين، وإن كانت أحيانا تودي بالإنسان إلى الموت الزؤام.
وهي فوق ذلك من النوع الذي تبقى غازاته متبخرة في الجو وقتا طويلا؛ بحيث قد يضطر سكان أحياء برمتها إلى هجرها إلى أن تطهرها لهم فرق مكافحة الغازات السامة.
وأهم هذه «الغازات» اثنان: أحدهما يسمى «غاز الخردل».
والثاني يسمى «لويسايت».
أما «غاز الخردل»؛ وهو «ثاني كلور أشيل سلفيد» فيصل إلى الأرض بشكل سائل يشبه الزيت، وله رائحة خاصة به تشبه لدى بعض الناس رائحة الخردل، ولكن البعض يشبهونها برائحة الثوم أو البصل. ولكن الاعتماد على الأنف في اكتشافه لدى الإغارات الحربية غير مأمون تماما؛ إذ إن حاسة الشم سرعان ما تتأثر منه بحيث يعسر اكتشافه بعد ذلك، بل إن بعض الناس لا يشعرون برائحة مطلقا ما لم يكن بكميات وافرة.
وهذا الغاز سهل الذوبان في البنزين والكحول والمواد الذهنية والقار «الزفت» وغيرها من الوسائل. ونظرا لسهولة ذوبانه في المواد الدهنية؛ فإن جلد الإنسان يمتصه بسهولة فيدخل من المجاري التنفسية، ويسبب أضرارا بالغة للإنسان تؤدي أحيانا إلى الموت.
أما قابليته للذوبان في القار «الزفت» فلها أهمية كبرى؛ إذ إن سطح الشوارع المغطاة بهذا الطلاء تمتصه، فيبقى فيها خطرا كامنا مدة طويلة.
ولدى سقوط سائل الخردل هذا في مكان فإنه يتبخر بكل بطء، فيبقى بخاره وغازه في الجو أمدا طويلا بحيث يدوم الخطر أياما. وسواء أكان ... فإنه مركب شديد التهيج، والسائل أكثر مفعولا بطبيعة الحال.