هل إغلاق القناة ضروري؟
تلخص نشرة الأخبار الدولية المسألة العملية - بالمقارنة مع المسألة القانونية - التي تنشأ عن إغلاق القناة، فتقول: إن إقفال القناة معناه وجود القدرة على تنفيذ الإقفال، وبما أن الإقفال سيقرر على الأرجح من الجامعة ضد الدولة المعتدية؛ فإن تنفيذه معناه الاستعداد للحرب في البحرين الأحمر والأبيض المتوسط. •••
ونشرت جريدة الصندي تيمس المقال التالي في صدد مسألة إغلاق القناة: قال السير إدوارد جراي في يوليو سنة 1910 - أي منذ 25 سنة - في مجلس النواب البريطاني: «إن امتياز ترعة السويس مسألة معقدة كل التعقد ويجب بسطها.» وفي مدة الخمس والعشرين سنة التي مرت منذ ما قيل هذا القول حدثت حوادث كثيرة للشركة ولمساهميها ولعملائها، وبعض تلك الحوادث بسطت الموقف وبعضها زادته غموضا وإبهاما. وغرض هذه المقالة بيان الموقف بلا تعليق ولا محاجة.
الشركة من الوجهة التجارية
شركة ترعة السويس شركة دولية قامت على امتياز منحته السلطة العثمانية القديمة مدة 99 سنة بعد فتح الترعة، وقد افتتحت رسميا في 17 نوفمبر سنة 1869، فينتهي الامتياز لذلك في 17 نوفمبر سنة 1968، وبذلت المساعي قبل الحرب لمد الامتياز 40 سنة أخرى - أي إلى سنة 2008 - فلم تنجح؛ فمقام الشركة لا يزال إلى الآن مركز مستأجرة لاحتكار تدنو نهايته.
وقد كان هذا الاحتكار - فعلا - عظيم الربح إلى درجة تفوق المعتاد؛ ففي السنتين الأولى والثانية أو في السنوات الثلاثة الأولى من تأليف الشركة لقيت أمامها بعض المصاعب، ولكنها ما فتئت بعد ذلك توزع ربحا منتظما على المساهمين كل سنة.
وكان هذا الربح 28 في المائة سنة 1904 و33 سنة 1913، ثم هبط إلى 13 في المائة سنة 1917 التي كانت أعظم سني الحرب، ثم عاد فارتفع على التوالي بعد الحرب حتى بلغ 37 في المائة سنة 1927.
وبلغ من عظم ربح هذا العمل أن أصحاب البواخر - وهم المصدر الوحيد لذلك الربح - احتجوا على فداحة رسوم الترعة وعززوا حجتهم هذه بقولهم أن أزمة الملاحة لم تؤثر في نجاح الشركة.
ومما يجدر ذكره هنا أن الحكومة البريطانية التي اشترت 44 في المائة من الأسهم مدة رياسة دزرايلي - اللورد بيكنسفيلد فيما بعد - سنة 1876 بمال قدره أربعة ملايين جنيه قدرت سعر السوق لتلك الأسهم سنة 1932 بمبلغ 52 مليون جنيه، وكانت في خلال 56 سنة (1876-1932) قد تناولت 43 مليون جنيه ربحا وفوائد.
الشركة من الوجهة السياسية
3
حدد موقف الشركة السياسي بمعاهدة استانبول سنة 1888، فحرمت بموجبها «أعمال العداء» في مياه الترعة، وقضت بجعل الترعة ممرا لجميع المحاربين، فيلوح من ذلك أن الشركة بوصف كونها شركة، مقيدة بقبول نقل الجنود والنقالات والسفن الحربية في الترعة. وقد تستطيع الاعتراض - طبقا لقوانين الملاحة التي لها - على نقل بعض أصناف الميرة والذخيرة بحجة «أن الشركة تحتفظ بحق منع السفن التي قد تعد خطرا على الملاحة عامة من المرور في الترعة». ولكنها لم تعمل بهذا الحق إلى الآن.
وشاهدنا على ذلك مرور جزء من الأسطول الروسي في حرب روسيا واليابان سنة 1904 في الترعة ذاهبا إلى الشرق الأقصى.
وعملت إيطاليا بهذه السابقة في حملتها الحاضرة إلى أريتريا والصومال، ولم يتغير الموقف تغيرا جوهريا حتى إن الحرب العالمية لم تغيره. •••
ولما كانت الترعة حلقة حيوية في الإمبراطورية البريطانية تولى الجيش البريطاني والبحرية البريطانية حمايتها وأقيمت بعض الحصون على ضفتيها، وقد تعد هذه الحصون من الوجهة الفنية مخالفة للمعاهدة لأنها عدت الترعة بقعة غير محصنة، ولكن هذه الحصون وجدت لازمة فعلا لحماية الترعة من هجوم المعتدين.
ولم تقفل الترع في وجه السفن الألمانية في الحرب، بل إن هذه السفن لجأت إليها محتمية سنة 1914 فلم تحجزها القوات الإنجليزية التي كانت تحمي الترع ولا هاجمتها، ولكنها أنذرت بأنه ليس في الترعة «حق ملجأ» وأن المرور الحر فيها هو مرور حر لا أكثر من ذلك، وما يحدث للسفينة الألمانية عند خروجها من الترعة ليس من شئون الشركة.