تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

رابعاً: كيف نحصل هذه المروءة؟ كيف نصل إليها؟:

المروءة ليست ميراثاً، وليست شيئاً يكتسب من غير تعب ولا كد،

إن المروءة ليس يدركها امرؤ ... ورث المروءة عن أب فأضاعها

أمرته نفس بالدناءة والخنا ... ونهته عن سبل العلا فأطاعها

فإذا أصاب من الأمور عظيمة ... يبني الكريم بها المروءة باعها

إنما المروءة تحتاج إلى صبر ومكابدة ومصابرة، وتحتاج إلى مجاهدة؛ ولهذا قال من قال من السلف -رضي الله تعالى عنهم-: إنأكمل الناس مروءة هو أعظمهم ضبطاً للنفس ومجاهدة لها.

ولذلك كانت هذه المروءة صعبة على الصغار -وأعني بالصغار صغار النفوس- الذين يجرون على شهواتهم ومطلوبات نفوسهم وأهوائهم، صعبة المحل، ولو لم تكن كذلك لما ترك اللئام للكرام منها، لم يتركوا منها بيتة ليلة، وأحفظ من بعض الأشعار التي يقال عنها الأشعار النبطية، وكنت قد سمعتها قديماً تذكر المروءة، وتذكر الأخلاق، ولكني أكره هذا الشعر المعروف بالشعر النبطي، فلا أستحسن قوله في هذا المجلس، وإلا فهي تحمل معان جميلة، لكن يقوم عنها ما يذكر في الفصيح:

لولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يفقر والإقدام قتالُ

لولا المشقة لكان الناس جميعاً في المراتب العالية، ولكن ذلك يحتاج إلى بذل في الأموال، يحتاج إلى تضحيات، يحتاج إلى كد من أجل أن يصل الإنسان إلى القمة، يحتاج إلى نفوس كبار.

إذا كانت النفوس كباراً ... تعبت في مرادها الأجسامُ

ولذلك فإن الكبير يحمل هماً كبيراً، لا يحمل هم أكلة يأكلها، أو شربة يشربها أو لذة يقضيها، إنما يحمل هماً كبيراً، يحمل هم أهله، وأن يحملهم على ما يجمل، وألا يحتاجوا إلى غيره، ويحمل همَّ جيرانه، ألا يبيت وهو شبعان، وجاره جائع، ويحمل هم مجتمعه، ويحمل هم أمته.

إنه يعيش نفساً كبيرة، تستوعب المجتمع برمته، فالحمد والمكارم ليست قضايا هينة المطلب.

والحمد شهد لا يرى مشتاره ... يجنيه إلا من نقيع الحنظلِ

غل لحامله ويحسبه الذي ... لم يوه عاتقه خفيف المحملِ

(

المروءة المروءة · الصفحة ٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المروءة المروءةص ٦