تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من المروءة أن نوقر الكبار في مجالسنا، وأن نقدمهم، وأن نحفظ حرمة النظير، وأن نرحم الصغير، لا يكون تعاملنا مع الصغار في المجالس لطماً بالوجه، نصدهم ونردهم ونهزئهم ونهينهم، فلا يجرؤون على حضور المجالس -مجالس الرجال- التي يتعلمون فيها المروءات، ولا ينبغي أن يثنى هؤلاء دائماً، وأن تحطم نفوسهم فلا يجترئون على حضورها، بل علينا أن نعودهم بقدر لائق ونعلمهم الآداب في هذه المجالس، ونجعل هذا الولد يصب للضيوف ما تدفعه إليهم من الشراب، ويقدم لهم ألوان الطعام، ويستقبلهم بجميل القول والكلام، ويبتهج في وجوههم عند اللقاء بهم ويرحب بهم.

المروءة تكون أيضاً في داخل النفوس، وهي أن نضبط هذه النفوس عند هيجان الغضب أو في حال دهشة الفرح، وما أشبه ذلك من الأحوال التي يحصل فيها الاضطراب فتتزلزل فيها النفوس وتهتز فتظهر العقول على حيققتها.

أتذكر -فيما أذكره في مثل هذه القضية- إذا أتيت في ليلة رمضان والناس ينتظرون إعلان هلاله وكنت في مثل المسجد النبوي فبمجرد ما يسمعون صوت المدفع ترى كثيراً من النساء تزغرد وتولول وتصدر أصواتاً عارية يسمعها الرجال، فيجلجل المسجد بذلك، هذا شيء سمعته بأذني لماذا؟ لأنها لا تتمالك.

فالرجل ينبغي أن يحزم نفسه، وأن يضبط عقله في حال الفرح الشديد، وفي حال الغضب أو حصول الأمور الموجعة والمؤلمة والنكبات والبلايا، ينضبط فلا يظهر عليه ما يُستخف به عقله وينتقد عليه، فلا تأخذه دهشة الفرح، ولا يستخف به في حال الغضب والاستفزاز:

ولست بمفراح إذا الدهر سرني ... ولا جازع من صرفه المتقلبُ

هكذا قال الشاعر، وإن كان ذلك بيد الله جميعاً، ولهذا نجد أن صاحب المروءة منضبط في كل الأحوال، في السراء والضراء، إذا حصل ولاية لا تطيش به هذه الولاية في زهو، ولا تصيبه سكرة -أعني سكر الولاية- ولا ينزل به العزل والإبعاد والإقصاء في حسرة فيشمت به عدوه.

المروءة المروءة · الصفحة ١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المروءة المروءةص ١٨