تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذه الأشياء التي تقدح في العرض منها ما يقدح في عرض قائله فحسب كالكذب والكلام الفاجر في المجون، وقلة الحياء وفحش القول، ومنه ما يتجاوز إلى غيره -وهذا أخطر- كالغيبة والنميمة والسعاية في الناس، والسب بالقذف أو الشتم ولربما كان السب والطعن أبلغها أثراً في النفوس؛ ولهذا زجر الله عنه بالحد في القذف كما في سورة النور.

فالاستطالة في الأعراض لسان الجهالة، وكف النفس عن هذه الحال بزجرها وبضبطها، هو الذي يجمل بأهل المروءات، والمروءة كما تكون في المظهر تكون باللسان وتكون بالفعال أيضاً بالمعاونة والبذل، فلكريم يبذل جاهه فيشفع لمن يريد الشفاعة إن لم يكن في ذلك ضرر على أحد، ويواسي الناس بماله، ويعينهم ببدنه.

يبذل الإحسان إلى أهله وجيرانه ومجتمعه، ويبر الوالدين ويصل الأرحام، ويحسن إلى كل مستحق للإحسان، يكرم الضيف ويحسن تدبير المعيشة، ويقوم بحوائج نفسه وأهله، وإذا بذل الإحسان عجله ووفره ولم يماطل في بذله، وهو حينما يبذله لا يصدر منه ما يشعر هذا الإنسان المحسن إليه بذلة أو ترفع أو أذية، وبعد الإحسان يطويه وينساه، لا ينتظر منه العائدة والشكر والمكافأة، ولا يذكره به ولا يذكره عند الناس، ما يقول: أنا أحسنت إلى هذا، لا صراحة ولا إيماء وتلميحاً بل ينساه، ولو أنه قوبل مع ذلك بالإساءة من هذا المحسن إليه، لا يذكره ولا يؤذيه بذلك الإحسان.

والمروءة تكون بسعة الأخلاق وبسطها، وتكون أيضاً في معاشرتنا وخلطتنا ومجالستنا للناس، والمروءة تنادينا في مجالسنا أن يسود في هذه المجالس الجد، والحكمة ألا نلم بالمزاح إلا قليلاً، ولكل مقام حديث، ولكل مقام ما يلائمه ويناسبه.

المروءة المروءة · الصفحة ١٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المروءة المروءةص ١٥