والنفس جوهرة سماوية وعالمها عالم روحاني ، وهي حية بذاتها غير محتاجة الى الأكل والشرب واللباس والمسكن ... الخ من متطلبات الجسد (1) وهذه النفس كما ذكرنا سابقاً ، هبطت من عالمها الروحاني وأُسقطت من مرتبتها العالية لجناية فتفرقت هذه النفوس بالأجساد ، ولكونها مع الأجساد وما اُبتُليت به من ظُلمات الأجساد وانشغالها بإصلاح حال الجسد ومتطلباته من هموم المعاش وخوف الجوع وألم العطش وأوجاع الأمراض ... الخ من المتاعب والهموم ، فصارت النفس لا تذكر شيئاً مما كانت فيه من أمر عالمها ومبدأها ومعادها كما قال الله جل ذكرهُ (( وَإِذَا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ)) (2) 0 وهذه النفس إذا انتبهت من نوم الغفلة ورقدة الجهالة وأبصرت ذاتها وعرفت جوهرها وأحست بغربتها 0 في عالم الأجساد ، ومحنتها وغرقها في بحر الهيولى ، وأسرها بالشهوات الطبيعية ، فإذا عاينت عالمها سوف يتبين لها فضل نعيمها على اللذات الجسمانية وتنسمها بروح عالمها وريحانها فعند ذلك تشتاق الى هذا العالم الذي أهبطت منه وتزهد الكون مع الجسد وتتمنى الموت الذي هو مفارقة الجسد والخروج من ظُلمة الأجسام فيكون خروجها كما يرى الإخوان كمثل قومٍ خرجوا من الحبس والمطامير مع ضوء الصبح ، فشاهدوا هذا العالم بما فيه دفعه واحدة0 أما عن النفس التي لم تحاول معرفة ذاتها وجوهرها ومبدئها ومعادها ولم تحس بغربتها وما هي عليه في هذه الدنيا من المحنةِ والبلوى ، وكان بإمكانها البحث والاجتهاد في التعليم ولها تمييز وعقل وحواس سليمة وبقيت عمياء حتى الممات فهي بالآخرة أعمى وأضل سبيلا (3) فمن لم يعرف النفس وجوهرها ومن أين جاءت وما هو مصيرها فإنسان كهذا كما يرى الإخوان لا يستطيع معرفة الأمور الروحانية من البعث والقيامة والجزاء ثواباً وعقاباً 0 ونبدأ
(1) ينظر رسائل إخوان الصفاء ، ج 4 ، ص 184 0
(2) سورة الصافات ، آية 13 0
(3) ينظر رسائل إخوان الصفاء ، ج 4 ، ص 184 ، 185 ، 186 0