امرأة وقعت في ذلّ الأسرِ ، حزينة كاسفةُ البال ، كانت سيدة في أهلها وعشيرتها ، حرّة في كنف رجال قبيلتها ، مطاعةٌ في بيت زوجها ، فجعلها الأسر أمةً مملوكة وجارية مأمورة . . حالةٌ نفسيّةٌ صعبة يَذهلُ الإنسانُ بها عما حوله ، ويعتصر الألم قلبه ، ولكنَّ هذا كلّه لم يلهها عن ابنها وفلذة كبدها ، فقد بحثت عنه جاهدة حتى رأته ، فاحتضنته راغبة ، وألقمته ثديها حانيةً ، وضمّته إلى صدرها بين ذراعيها مشفقة ، امرأة كهذه لا تُسلِمُ ابنها إلى مكروه مهما صغُر ، وتدفع عنه الأذى مهما حقُر ، وتفديه بنفسها من كل ضرِّ .
امراة كهذه تَهَبُ ابنها كلَّ ما لديها ، وتسعى جاهدة ما وسعها الجهد إلى الذود عنه . . إنها الرحمة ما بعدها رحمة . . فحين انتبه المسلمون إليها ، ورأوا ما فعلته بولدها قالوا بصوت واحد : لا والله ، لا تسلمه إلى النار ولا تطرحه فيها .
وهنا يلفتُ الرسول الكريم نظر المسلمين إلى رحمة الله بهم ، لهو تعالى أشدُّ رحمة بهم من هذه الأم بولدها . . أيّ رحمة إذاً يدّخرها الرحيم الرحمن لعباده ؟ والربُّ العظيم الغفور لمن آمن به وأطاعه ، وامتثل أمره ؟
وهذه إحدى بنات النبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ يُحتضَر ابنُها فتودُّ أن يحضر أبوها ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفاته ، فترسل إليه ـ صلى الله عليه وسلم ـ : إنّ ابني قد احتُضِرَ (1) فاشهدنا ، فأرسل يُقرئها السلام ويقول : (( إنَّ لله ما أخذ ، وله ما أعطى ، وكل شيء عنده بأجل مسمّى ، فلتصبر ولتحتسب (2) فأرسلت إليه تُقسم عليه ليأتينّها . . . )) (3) .
(1) احتُضر : حضرته مقّدمات الموت وعلاماته .
(2) تنوي بصبرها طلب الثواب من الله وأن يجعل ذلك في صالح عملها .
(3) رواه البخاري برقم ( 1284 ، 5655 ، 6655 ) ، ومسلم برقم ( 923 ) ، وأحمد برقم ( 21282 ) وغيرهم .