فلما أصبح أبو طلحة أتى النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فشكا له ما فعلت أم سُليم ، فقال له الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( أعرّستمُ الليلة؟ )) قال : نعم ، قال النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ داعياً : (( اللهم بارك لهما )) فحملت من تلك الليلة وولدت غلاماً .
قال أبو طلحة لأنس : احمله حتى تأتي به النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ ـ وبعث معه بتمرات ـ ولا يرضعه أحد حتى تغدوَ على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فحمله الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بيديه الشريفتين ومضغ التمرات ، ثم أخذها من فيه ، فجعلها في فم الصبي ، ثم حنَّكه وسمّاه عبدالله .
قال أحد التابعين ـ ابن عيينة ـ : رأيتُ من أولاد عبدالله المولود تسعةََ أولاد ، كلهم قد قرأوا القرآن (1) .
فأم سُليم امرأة تعرف أنَّ ما قدّر الله كائن ، فلم تلطُم ، ولم تُوَلْوِلْ ، واحتسبت ولدها ، وقلبها في غاية الحزن ، وحاولت التخفيف عن زوجها في مصابهما بولديهما ، فعوّضهما الله ولداً صالحاً وذريّة صالحة ، ولم ينكر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ صنيعها ، إنما خفّف عن زوجها ودعا لهما أن تكون ليلةً مباركة ، وكان دعاؤه عليه الصلاة والسلام بلسماً ، وكانت أم سليم مثالاً يُقتدى في الصبر وحُسن التصرّف .
والمرأة الداعية المربية لا تكون كذلك إلا إذا تسلَّحَت بالإيمان والتقوى .
1ـ فعزفَتْ عن الحياة الدنيا وبهرجها ، وعلمت أن الدنيا فانية ، فلم تعمل لها إلا بما يبلغها منازل الآخرة تلك الدار الباقية . . قال الشاعر :
قارف الدنيا بثوب ومن العيش بقوت
واتخذ بيتاً خفيفاً مثل بيت العنكبوت
(1) رواه البخاري برقم ( 5470 ) ، ومسلم برقم ( 2144 ) ، وأحمد برقم ( 12454 ) .