وقد التفت إلى هذه الرمزية الدكتور البهبيتي قبل الدكتور الجياووك بزمن، ولكنه حصر حديثه في الشعر الجاهلي، ولم يتتبع هذه الرمزية تتبعاً دقيقاً كما فعل الدكتور الجياووك. يقول "فالمرأة في ذلك رمز، وأسماء النساء أسماء تقليدية تجري في الشعر عند الشعراء دون وقوع على صاحباتها"(1) ثم يقول: "وهند لقب جرى على بنات ملوك المناذرة، كانت إحداهن تسمّى باسمها الخاص، ولكنها تلقب أبداً بهند، ولذلك نجد اسم هند يكاد يقع في شعر كل شاعر اتجه إلى ملوك المناذرة بمدح أو ذم"(2).
ونخلص مما تقدم كله إلى القول: لقد كان وضع المرأة في القبيلة على درجة عالية من الحساسية والرمزية، فكان ذكرها مدحاً للقبيلة وإعلاناً عن عزها وسطوتها ونفاسة نسائها، من أجل التطلع إلى المصاهرة وكسب الدعم والقوة، كما كان دليلاً على الأنفة والكبرياء والمقدرة على حماية النساء، وصون أعراضهن من مذلة السبي ومهانة الخطف.
وانبرى الشعراء لهجاء كل من يتعرض لهذا المصير من القبائل، أو يعرض نساء قبيلته له. كما كانت رمزاً قتالياً عاماً يثير حمية المتحاربين ويختزن بعض تاريخ القبيلة الثقافي والاجتماعي من قيم وعلاقات وأخلاق، ولكن الشعر الحجازي اقتصر على الدعاية والإعلان عن نعمة النساء في الحجاز وترفهن. بينما شاع شيوعاً كبيراً في شعر شعراء العراق المدح بحماية النساء وكذلك الهجاء بتعريضهن للسبي.
( ... ( ... (
الفصل الثالث
المرأة والمجتمع في الشعر الأموي
أ- المرأة في المجتمع الحضري.
ب- المرأة في المجتمع البدوي.
إن الحديث عن المرأة والمجتمع حديث متعدد المداخل، متشعب الدروب، ولذا لابد قبل الشروع فيه من أن أخطّ له خطّة لعلها تكون عاصمة لي من التكرار والتداخل.
(1) تاريخ الشعر العربي: 100.
(2) المرجع السابق ص: 101.