تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قالوا: رجل منكم أمس ظل يجر أذياله بين أبياتنا، ماندري علام كان أمره؟ فقهقهت جرم من جفاء القشيريين وعجرفتهم، وقالوا: ألا فابعثوا إلى بيوتنا رجلاً ونبعث إلى بيوتكم إذا غدت الرجال وأخلف النساء، ونتحالف أنه لا يتقدم رجل منا إلى زوجة ولا أخت ولا بنت ولا يعلمها مما دار بين القوم، فيظل كلاهما في بيوت أصحابه حتى يرد علينا عشياً الماء، وتخلى لهما البيوت ولا تبرز عليهما امرأة و لاتصادق منهما واحداً فيقبل منها حرفاً ولا وعداً إلا بموثق يأخذه عليها، وعلامة تكون معه منها، قالوا اللهم نعم. فظلوا يومهم ذلك وباتوا ليلتهم حتى إذا كان من الغد، غدوا إلى الماء وتحالفوا أنه لايعود إلى البيوت منهم أحد دون الليل، وغدا مياد الجرمي إلى القشريات، وغدا يزيد بن الطثرية إلى الجرميات، فظل عندهن بأكرم مظل، لايصير إلى واحدة منهن إلا افتتنت به، وتابعته إلى المودة، وقبض منها رهناً وسألته ألا يدخل من بيوت جرم إلا بيتها، وانصرف يزيد محكولاً مدهوناً شبعان ريان مرجل اللمة، وظل مياد الجرمي يدور بين بيوت القشيريات مرجوماً، ومضى لا يتقرب إلى بيت إلا استقبلته الولائد بالعمد والجندل، فتهالك لهن، وجهده العطش، وأقبل يستظل فرأى أمة تذود غنماً في بعض الظعن، فأخذ برقعها وقال: هذا برقع واحدة من نسائكم فطرحه بين يدي القوم، وجاءت الأمة تعدو، فتعلقت برقعها، فردّه عليها وخجل مياد خجلاً شديداً.

وجاء يزيد ممسياً، وقد كاد القوم أن يتفرقوا، فنثر كمه بين أيديهم ملآن براقع، وقد حلف القوم ألا يعرف رجل شيئاً إلا رفعه، فلما نثر مامعه اسودت وجوه جرم وأمسكوا بأيديهم، فقال قشير:

أنتم تعرفون ماكان بيننا أمس من العهود، فليمسك كل رجل يده إلى ماعرف فأخذه.. وتفرقوا عن حرب، وقالوا هذه مكيدة يا قشير، فقال في ذلك يزيد بن الطثرية:

فإنْ شئتَ ياميّادُ زُرَنا وزرتُمُ ... ولم تنفسِ الدنيا على من يُصيبُها

المرأة في الشعر الأموي (دراسة) · الصفحة ٧٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المرأة في الشعر الأموي (دراسة)ص ٧٧