وأنا أعلم أن هؤلاء الصديقات ربما تبادلن الأحاديث عن عمر نفسه ولكن ذلك لا ينفي أنهن وهن مجتمعات أقرب إلى التصون، وأبعد عن الشبهات في نظر المجتمع. ويصور أماني هؤلاء الفتيات وهن يخططن لزيارة أحبابهن:
ومشي ثلاثٍ إلى زائرٍ ... خرجنَ إلى عاشقٍ زُوَّرَا
سمونَ يَقُلْنَ ألا ليتنا ... نرى ليلنا دائماً أَشهُرا(1)
وهو منظر مألوف في لوحات عمر الشعرية(2) بل نحن نرى عمر أحياناً يصور حبيبته محاطة بالحراس والرقباء وقد ضربوا لها القباب الحمر، وأحاطوها من كل جانب.
وليس يخفي ما في هذا التصور الشاعري من الخيال، ولكنه موصول بالواقع بعض الوصل، فقد كان عمر حريصاً على أن تكون حبيبته من سراة الناس وأشرافهم، بعيدة عن السوقية والتبذل، وكان حريصاً أيضاً على أن يخلع على حبه روح البداوة ومثالية الصحراء، لأنه يعيش في مجتمع لا يزال نبض البداوة يجري في عروقه على الرغم من التحضر الذي أصاب هذا المجتمع يقول:
ضربوا حُمْرَ القبابِ لها ... وأُحيطَتْ حولها الحُجُرُ
حولَها حُرّاسُ ذي شرفٍ ... نوّمٌ من طولِ ما سهروا
أَشبهوا القتلى وما قُتِلوا ... ذاك إلاّ أَنّهم سمروا(3)
وربما ألح عمر على إظهار شدة الحراسة، ليفخر بالمغامرة الناجحة وليتباهى بأنه استطاع الوصول إلى هذه المحبوبة على الرغم مما يحيط بها من الحراس والخطر.
وكثيراً ما أشار إلى غيرة الأهل على ابنتهم وهي غيرة تقترن بالسخط والغضب وروح الخصومة يقول:
إذا زرتُ نعماً لم يزلْ ذو قرابةٍ ... لها كلّما لاقيتُها يتنمَّرُ
عزيزٌ عليهِ أَنْ أُلمّ ببيتها ... يسرُّ ليَ الشحناءَ والبغضَ يُظِهرُ(4)
(1) ديوان عمر: 174
(2) ويتكرر ذلك في صفحات الديوان: 161-162-170-173-179-183-184-187-202-248
(3) المصدر السابق: 160
(4) المصدر السابق: ق1