ويقدم لنا الشعر الأموي صوراً شعرية يظهر فيها قلب الأب وقد كاد ينفطر قلقاً وتوتراً وجزعاً على بناته ممّا يخبئه لهن الدهر لو أن المنية وافته وهن صغيرات ضعيفات يتضورن جوعاً، فلا يلاقين من أقاربهن إلا الإهانة والنفور، ولا يلقين من الدهر إلا الجوع والعري وانقلاب الحال، ولذا ليس عجباً أن يزداد تشبثاً بالحياة لا رغبة فيها فحسب، بل رعاية لهن، وإشفاقاً عليهن.
إنها عاطفة الأبوة التي تدفع عنا رمضاء الحياة وريحها السموم، وتظلّلنا بظل القلب الواجف وجفن العين الدامعة، يقول أحدهم مصوراً هذا الموقف النفسي العامر بالمشاعر والأحاسيس الناعمة المرهفة:
لقد زادَ الحياةَ إليّ حُباً ... بناتي إنهنَّ من الضعافِ
أُحاذرُ أنْ يَذُقْنَ البؤسَ بعدي ... وأن يَشربْنَ رَنْقَاً بعد صافِ
وأن يعرينَ إن كسيَ الجواري ... فتنبو العينُ عن كُرُمٍ عجافِ
وأن يَضطرَّهُنّ الدهرُ بعدي ... إلى جلفٍ من الأعمامِ جافِ(1)
ومع ما عرف عن الفرزدق من غلظة القلب وقسوته، فإنه يصوّر ابنته وقد قامت على خدمتها وتربيتها مربيات لا همّ لهن سوى العناية بها، وتلبية مطالبها، والسهر على راحتها. ويختم حديثه عنها بفخره المعهود، فيفخر بتميّزها على أترابها وفضلها عليهن، وبأخلاقها الحميدة وبعدها عن مطامح العشاق والسامرين يقول:
ما ضرّها أنْ لم يَلدْها ابنُ عاصمٍ ... وأَنْ لم يلدْها من زُرارةَ مَعْبَدُ
ربيبةُ دأياتٍ ثلاثٍ رَبَبْنَها ... يلقِّمنها من كلِّ سُخْنِ ومُبْرِدِ
إذا انتهبت أطعمنها وسَقَيْنَها ... وإن أخذتها نعسةٌ لم تُسَهَّد
(1) ديوان الخوارج: 13 والشعر لعيسى بن فاتك