إنه يجلد هذه العجوز المسكينة بكلماته الهازئة، ويدعو إلى الابتعاد عنها فقد جفّ عودها ويبس، ولم يعد فيها بقية من خير، يقول:
لا تَنكحنَّ عجوزاً إن أُتيتَ بها ... واخلع ثيابَكَ ممعناً هَرَبا
فإنْ أتَوْكَ وقالوا إنّها نَصَفٌ ... فإنَ أمثلَ نِصفيها الذي ذهبا(1)
ويسوق رجل آخر النصيحة ذاتها منفراً ممن طعنت في السن، وكانت أرملة مجربة:
لا تنكحنَّ الدهرَ ما عشتَ أَيَّماً ... مُجرِّبةً قد مُلَّ منها وملّتِ
تحك قفاها من وراءِ خمارِها ... إذا فقدَتْ شيئاً من البيت جُنَّتِ(2)
أما العجاج فقد سخر من العجائز جميعهن، ورسم لهن صورة "كاريكاتورية" ساخرة سخرية لاذعة، فشبههن بالأفاعي، وتكثّر عليهن الطعام، ودعا عليهن دعاء طريفاً ساخراً، وخصّ واحدة منهن بالحديث فرآها لا تساوي فلساً، ثم صورها صورة فيها من المرارة والسخرية أضعاف ما فيها من الدعابة، فهي تنهس الزبدة نهساً:
لقد رأيتُ عجباً مذ أمسا ... عجائزاً مثل الأفاعي خمسا
يأكلنَ ما في رحلِهنَّ همسا ... لا تركَ اللهُ لهُنَّ ضرسا
ولا لقينَ الدهرَ إلا تَعْسا ... فيها عجوزٌ لا تساوي فلسا
لا تأكلُ الزّبدة إلا نَهْسا(3)
وحقاً ليست هذه الأشعار في المرأة الزوج، ولكنها تدل على موقف الرجل من امرأته حين تطعن في السن، ويعمّمها الشيب.
ونرى زوج محمد بن بشير الخارجي العدوانية قد أسنّت، فضربت دونه حجاباً، لما تعرف من رأيه فيها وتوارت عنه، ودعت نسوة من عشيرتها فجلسن عندها يلهون ويتغنين فسمعهن فقال ساخراً:
لئن عانسٌ قد شاب مَا بين قرنِها ... إلى كعبِها وامْتُصَّ منها شبابُها
صَبَتْ في طِلابِ اللهوِ يوماً وعَلَّقَتْ ... حجاباً لقد كان ستيراً حجابُها
فبيني برغمٍ ثم ظليّ فربما ... ثوى الزعمُ منها حيث يثوي نقابُها(4)
(1) شرح الحماسة 1873 لمجهول
(2) المصدر السابق: 1872
(3) ديوان العجاج: 269
(4) شعر محمد بن بشير: 44. بيني أي ابتعدي