لقد انعكست في هذا الشعر السياسة والحزبية والعصبية بوعي اجتماعي وسياسي شديد الحساسية والرهافة.
أما ابن ميادة فيشير إلى دور المال والثراء في رفعة الإنسان، ويظهر رغبة الآخرين في التقرب إليه والإصهار حتى ولو كان لا يستحق الشرف وليس له نسب.
يقول:
أَلمْ تَرَ قوماً ينكحونَ بمالِهم ... ولو خَطبَتْ أَنسابُهُمْ لم تُزَوَّجِ(1)
ومما يتصل بالثراء والنعيم، ويدلّ على وضع اجتماعي مرموق أن يقوم الناس على خدمة المرأة وما أكثر ما تداول الشعراء هذه المعاني وداروا حولها، وسأفصل القول في ذلك في فصل قادم.
ولم يكتف الشعراء بالحديث عن أسرة المرأة الزوج والإطناب في ذكر أوصافها، والتغني بمناقبها وحسبها ونسبها، بل استداروا إلى بيوتهم يقترب كل منهم من هذه المرأة التي بذل الكثير لتصبح في قربه وفي بيته بعد أن احتضن حلمه بها في قلبه زمناً فلنرهف السمع إلى هؤلاء الشعراء وهم يحدثوننا عن هذه الزوج في عش الزواج أو قفصه.
ونجد الفرزدق- على ما عرف عنه من غلظة وخشونة- يتغنى بأزواجه غناء عاطفياً عامراً بمشاعر العشق والغرام، ولعل "النوار" التي وسمت قلبه ووجدانه بميسم الحب، وتسربت إلى كل قصائده وموضوعاته، كانت أكثر نسائه حظاً من هذا الغناء، فهو يتأملها، ويملأ عينيه منها، فيغلبه إحساسه بالجمال، فيقول مصوّراً جمالها وبهاءها، ويقرن -على عادة الشعراء- بين جمال الأنثى ومظاهر الجمال المبثوثة في الكون لعلهُ يجلو هذا الجمال ويزيده انكشافاً، ويقوي إحساسنا به يقول:
دعتني إليها الشمسُ تحت خمارِها ... وجَعْدٌ تَثنّى في الكثيبِ غدائرُهُ
كأنَّ نواراً ترتعي رملَ عالجٍ ... إلى ربربٍ تحنو إليه جآذِرُه(2)
(1) شعر ابن ميادة: 31
(2) ديوان الفرزدق: 279