كما غنت بأشعار عمر بن أبي ربيعة وكانت تكرمه وتقدره، على عكس العرجي الذي لم تغن بشعره لكثرة عبثه، إلا أنه أرسل إليها بعض الأبيات طالباً السماح والعفو فغنت في شعره فيما بعد(1).
سلامة القس: كانت سلامة شجية الصوت، أخذت الغناء عن معبد وابن عائشة وجميلة. شغف بها أحد عباد المدينة (عبد الرحمن من بني جشم بن معاوية، وكان حبه لها تمثلاً لأفكاره ومبادئه واعتقاداته الزاهدة. فقد قالت له يوماً: أنا والله أحبك، فقال وأنا والله أحبك، قالت وأحب أن أضع فمي على فمك، قال: وأنا والله أحب ذلك، قالت: فما يمنعك، إن الموضع لخالٍ، قال: إني سمعت الله عز وجل يقول: (الأخلاّء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين)(2) وأنا أكره أن تكون خلّة مابيني وبينك عداوة. ثم قام وانصرف وهو يقول:
إنَّ التي طرقَتْكَ بينَ ركائبٍ ... تمشي بمزهرِها وأنتَ حرامُ
لتصيدَ قلبَكَ أو جزاءَ مَودَّةٍ ... إن الرفيقَ له عليكَ ذِمامُ
حتى إذا سطَع الضياءُ لناظرٍ ... فإذا وذلكَ بيننا أَحلامُ
قد كنتُ أَعذِلُ في السفاهةِ أَهلَها ... فاعجبْ لما تأتي بهِ الأيّامُ
فاليومَ أعذرُهُمْ وأعلم إنما ... سبُلُ الضلالةِ والهدى أٌقسامُ(3)
وكان الأحوص معجباً بها أيضاً، وله فيها غزل تغنيه بصوتها ومما غنته من قول الأحوص:
أًسلامُ هل لمتيَّمٍ تَنويل ... أمْ هل صرمْتِ وغالَ ودَّكِ غُوْلُ
لا تصرفي عني دلالَكِ إِنَّهُ ... حَسنٌ لديَّ وإِنْ بخلْتِ جميلُ
أَزعمتِ أَنَّ صبابتي أكذوبةٌ ... يوماً وأَنَّ زيارتي تَعليلُ(4)
وذكرت صاحبة "الدر المنثور" أن يزيد بن عبد الملك اشتراها بثلاثة آلاف دينار ومر القس يوماً بمنزل مولاها فسمع غناءها فوقف، فرآه مولاها وعرّفه عليها، فشغف بها وكان شاباً جميلاً فأحبته(5).
(1) المصدر السابق: 7/131.
(2) سورة الزخرف، آية 67.
(3) الأغاني: 8/7.
(4) المصدر السابق: 8/8.
(5) الدر المنثور: 250.