تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واللّه - سبحانه - يوجه نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يذكر أخا عاد وإنذاره لقومه بالأحقاف. يذكره ليتأسى بأخ له من الرسل لقي مثلما يلقى من إعراض قومه وهو أخوهم. ويذكره ليذكر المشركين في مكة بمصير الغابرين من زملائهم وأمثالهم، على مقربة منهم ومن حولهم.

وقد أنذر أخو عاد قومه، ولم يكن أول نذير لقومه. فقد سبقته الرسل إلى أقوامهم ..

«وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ» .. قريبا منه وبعيدا عنه في الزمان وفي المكان. فالنذارة متصلة، وسلسلة الرسالة ممتدة. والأمر ليس بدعا ولا غريبا. فهو معهود مألوف. أنذرهم - ما أنذر به كل رسول قومه -: «أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ. إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ» ..

وعبادة اللّه وحده عقيدة في الضمير ومنهج في الحياة والمخالفة عنها تنتهي إلى العذاب العظيم في الدنيا أو في الآخرة، أو فيهما على السواء. والإشارة إلى اليوم «عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ» .. تعني حين تطلق يوم القيامة وهو أشد وأعظم. فماذا كان جواب قومه على التوجيه إلى اللّه، والإنذار بعذابه؟

«قالُوا: أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا؟ فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ!» .. سوء الظن وعدم الفهم، والتحدي للنذير، واستعجال العذاب الذي ينذرهم به، والاستهزاء والتكذيب. وإصرار على الباطل واعتزاز! فأما هود النبي فيتلقى هذا كله في أدب النبي، وفي تجرده من كل ادعاء، وفي الوقوف عند حده لا يتعداه: «قالَ: إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ. وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ. وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ» ..

إنما أنذركم بالعذاب كما كلفت أن أنذركم. ولست أعلم متى يحين موعده، ولا كيف يكون شكله. فعلم ذلك عند اللّه. وإنما أنا مبلغ عن اللّه. لا أدعي علما ولا قدرة مع اللّه .. «وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ» وتحمقون. وأية حماقة وأي جهل أشد من استقبال النذير الناصح والأخ القريب بمثل هذا التحدي والتكذيب؟ ويجمل السياق هنا ما كان بين هود وقومه من جدل طويل، ليمضي إلى النهاية المقصودة أصلا في هذا المقام ردا على التحدي والاستعجال: «فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا: هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا. بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ: رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ، تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها، فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ. كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ» ..

وتقول الروايات: إنه أصاب القوم حر شديد، واحتبس عنهم المطر، ودخن الجو حولهم من الحر والجفاف. ثم ساق اللّه إليهم سحابة، ففرحوا بها فرحا شديدا، وخرجوا يستقبلونها في الأودية، وهم يحسبون فيها الماء: «قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا» .. وجاءهم الرد بلسان الواقع: «بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ: رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها» .. وهي الريح الصرصر العاتية التي ذكرت في سورة أخرى. كما جاء في صفتها: «ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ».

والنص القرآني يصور الريح حية مدركة مأمورة بالتدمير: «تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها» وهي الحقيقة الكونية التي يحفل القرآن بإشعارها للنفوس. فهذا الوجود حي. وكل قوة من قواه واعية. وكلها تدرك عن ربها وتتوجه لما تكلف به من لدنه. والإنسان أحد هذه القوى. وحين يؤمن حق الإيمان، ويفتح قلبه

المهذب في عوامل النصر والهزيمة · الصفحة ٨١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المهذب في عوامل النصر والهزيمةص ٨١٠