منهج اللّه وشريعته: أنهم يريدون اتقاء الإشكالات والمتاعب والمصاعب، التي تنشأ من الاحتكام إلى شريعة اللّه! ويريدون التوفيق بين العناصر المختلفة والاتجاهات المختلفة والعقائد المختلفة .. إنها حجة الذين يزعمون الإيمان - وهم غير مؤمنين - وحجة المنافقين الملتوين .. هي هي دائما وفي كل حين! واللّه - سبحانه - يكشف عنهم هذا الرداء المستعار. ويخبر رسوله - صلى الله عليه وسلم -،أنه يعلم حقيقة ما تنطوي عليه جوانحهم. ومع هذا يوجهه إلى أخذهم بالرفق، والنصح لهم بالكف عن هذا الالتواء: «أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ. فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ، وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً» ..
أولئك الذين يخفون حقيقة نواياهم وبواعثهم ويحتجون بهذه الحجج، ويعتذرون بهذه المعاذير. واللّه يعلم خبايا الضمائر ومكنونات الصدور .. ولكن السياسة التي كانت متبعة - في ذلك الوقت - مع المنافقين كانت هي الإغضاء عنهم، وأخذهم بالرفق، واطراد الموعظة والتعليم .. والتعبير العجيب: «وَقُلْ لَهُمْ .. فِي أَنْفُسِهِمْ .. قَوْلًا بَلِيغاً».تعبير مصور .. كأنما القول يودع مباشرة في الأنفس، ويستقر مباشرة في القلوب. وهو يرغبهم في العودة والتوبة والاستقامة والاطمئنان إلى كنف اللّه وكنف رسوله .. بعد كل ما بدا منهم من الميل إلى الاحتكام إلى الطاغوت ومن الصدود عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - حين يدعون إلى التحاكم إلى اللّه والرسول .. فالتوبة بابها مفتوح، والعودة إلى اللّه لم يفت أوانها بعد واستغفارهم اللّه من الذنب، واستغفار الرسول لهم، فيه القبول! (1)
----------------------
وقال تعالى: ﴿لا إِكْراه فِي الدِّينِ قد تّبيّن الرُّشْدُ مِن الْغيِّ فمنْ يكْفُرْ بِالطّاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللّهِ فقدِ اسْتمْسك بِالْعُرْوةِ الْوُثْقى لا انفِصام لها واللّهُ سمِيعٌ علِيمٌ (256) اللّهُ ولِيُّ الّذِين آمنُواْ يُخْرِجُهُم مِّن الظُّلُماتِ إِلى النُّوُرِ والّذِين كفرُواْ أوْلِيآؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونهُم مِّن النُّورِ إِلى الظُّلُماتِ أُوْلئِك أصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُون﴾ (257) سورة البقرة
يأْمُرُ اللهُ تعالى المُؤْمِنِين بِألاّ يُكْرِهُوا أحداً على الدُّخُولِ فِي الإِسْلامِ، لأنّ الإِسْلام بيِّنٌ واضِحٌ لا يحْتاجُ إلى أنْ يُكْره أحدٌ على الدُّخُولِ فِيهِ. والإِيمانُ إذْعانٌ وخُضُوعٌ، ولا يكُون ذلِك بِالإِلْزامِ والإِكراهِ. وإنما يكونُ بِالحُجّةِ والدّليلِ والبُرْهانِ، وقدْ ظهر أنّ فِي هذا الدِّينِ الرُّشْد والصّلاح، وأنّ ما خالفهُ مِن المِللِ الأخْرى غيٌّ وضلالٌ.
فمنْ كفر بِالأنْدادِ والأوْثانِ وما يدْعُو إِليهِ الشّيْطانُ مِنْ عِبِادةِ كُلِّ ما يُعْبدُ مِنْ دُونِ اللهِ (أيْ ومنْ كفر بِما تكُونُ عِبادتُهُ والإِيمانُ بِهِ سبباً فِي الطُّغْيانِ والخُرُوجِ عنِ الحقِّ مِنْ عِبادةِ مخْلُوقٍ) فقدْ ثبت أمْرُهُ، واسْتقام على الطّرِيقةِ المُثْلى، وأمْسك بِأوْثقِ عُرى النّجاةِ التي تمْنعُهُ مِن التّردِّي فِي مهاوِي
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 1037)