فعاد أخذهم حاصب وهو الريح الصرصر التي تتطاير معها حصباء الأرض فتضربهم وتقتلهم، وثمود أخذتهم الصيحة. وقارون خسف به وبداره الأرض، وفرعون وهامان غرقا في اليم وذهبوا جميعا مأخوذين بظلمهم. «وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ» (1) ..
----------------
و قال تعالى: ﴿وما تأْتِيهِمْ مِنْ آيةٍ مِنْ آياتِ ربِّهِمْ إِلّا كانُوا عنْها مُعْرِضِين (4) فقدْ كذّبُوا بِالْحقِّ لمّا جاءهُمْ فسوْف يأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يسْتهْزِئُون (5) ألمْ يروْا كمْ أهْلكْنا مِنْ قبْلِهِمْ مِنْ قرْنٍ مكّنّاهُمْ فِي الْأرْضِ ما لمْ نُمكِّنْ لكُمْ وأرْسلْنا السّماء عليْهِمْ مِدْرارًا وجعلْنا الْأنْهار تجْرِي مِنْ تحْتِهِمْ فأهْلكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وأنْشأْنا مِنْ بعْدِهِمْ قرْنًا آخرِين (6)﴾ [الأنعام]
وما تنْزِلُ على المُشْرِكِين آيةٌ مِنْ آياتِ القُرْآنِ تلْفِتُ أنْظارهُمْ إلى ما أبْدعهُ الخالِقُ مِنْ صُنْعٍ فِي خلْقِهِ هذا الكوْن، مِمّا يدُلُّ على وحدانِيّتِهِ وتفرُّدِهِ بِالأُلُوهِيّةِ، وعلى صِدْقِ ما أرْسل بِهِ الأنْبِياء، إلاّ أعْرض عنْها هؤُلاءِ الكفرةُ المُكذِّبُون، اسْتِهزاءً غيْر مُتدبِّرِين معْنأها، ولا مُتفكِّرِين فِي دلالتِها. وبِسببِ إِعْراضِهِمْ عنِ النّظرِ فِي الآياتِ، والتّفْكُرِ فِيها، فقدْ كذّبُوا بِدِينِ اللهِ الحقِّ، لمّا جاءهُمْ بِهِ رسُولُ اللهِ مُحمّدٌ - صلى الله عليه وسلم -،ولمْ يتريّثُوا، ولمْ يتدبّرُوا ما فِيهِ مِنْ خيْرٍ وهُدًى، وسيروْن عاقِبة التّكْذِيبِ والاسْتِهْزاءِ، حِين تنْزِلُ بِهِمُ العُقُوباتُ العاجِلةُ، التِي أشارتْ إِليْها الآياتُ: منْ نصْرِ الرّسُولِ، وإِظْهارِ دِينِ اللهِ، وإِعْزازِ الإِسْلامِ وأهْلِهِ ...
يلْفِتُ اللهُ تعالى أنْظار الكُفّارِ مِنْ قُريْش، المُكذِّبِين بِآياتِ ربِّهِمْ ورُسُلِهِ، إِلى الأُممِ العدِيدةِ التِي كذّبتْ قبْلهُمْ رُسُلها، فأهْلكهُمُ اللهُ، وكان تعالى قدْ مكّن لهُمْ فِي الأرْضِ أكْثر مِمّا مكّن لِهؤُلاءِ المُكذِّبِين، وأمدّهُمْ بِأمْوالٍ وبنِين، وجعلهُمْ أ: ثر قُوّةً وعِمارةً فِي الأرْضِ مِنْ هؤُلاءِ، وجعل السّماء تُمْطِرُهُمْ بِصُورةٍ مُتتالِيةٍ، مطراً غزِيراً (مِدْراراً)،وفجّر لهُمْ مِن الأرْضِ ينابِيع وأنْهاراً، اسْتِدْراجاً لهُمْ وإِمْلاءً، ثُمّ أهْلكهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وخطاياهُمْ، وجعلهُمْ كأمْسِ الدّابِرِ. وجعل، مِنْ بعْدِ هؤُلاءِ الهالِكِين، أجْيالاً أُخْرى (قرْناً آخرِين) لِيخْتبِرهُمْ، فعمِلُوا مِثْل أعْمالِ منْ كانُوا قبْلهُمْ، فاحذرُوا أيُّها المُخاطِبُون أنْ يُصِيبكُمْ مِثْلُما أصابهُمْ، فما أنْتُمْ بِأعزّ على اللهِ مِنْهُمْ، وأنْتُمْ أوْلى بِالعذّابِ ومُعاجلةِ العُقُوبةِ مِنْهُمْ، لوْلا لُطْفُ اللهِ وإِحْسانُهُ. (2)
إنهم يتخذون موقف الإعراض عنادا وإصرارا. فليس الذي ينقصهم هو الآيات الداعية إلى الإيمان، ولا العلامات الدالة على صدق الدعوة والداعية، ولا البراهين الناطقة بما وراء الدعوة والداعية من ألوهية حقة، هي التي يدعون إلى الإيمان بها والاستسلام لها .. ليس هذا هو الذي ينقصهم، إنما تنقصهم الرغبة في الاستجابة، ويمسك بهم العناد والإصرار، ويقعد بهم الإعراض عن النظر والتدبر: «وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 3488)
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 794، بترقيم الشاملة آليا)