تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ،فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ،كَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمْ،فَعَرَفُوا الْخَضِرَ،فَحَمَلُوهُ بِغَيْرِ نَوْلٍ،فَلَمَّا رَكِبَا فِى السَّفِينَةِ جَاءَ عُصْفُورٌ،فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ،فَنَقَرَ فِى الْبَحْرِ نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ،قَالَ لَهُ الْخَضِرُ يَا مُوسَى،مَا نَقَصَ عِلْمِى وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلاَّ مِثْلَ مَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُورُ بِمِنْقَارِهِ مِنَ الْبَحْرِ.إِذْ أَخَذَ الْفَأْسَ فَنَزَعَ لَوْحًا،قَالَ فَلَمْ يَفْجَأْ مُوسَى إِلاَّ وَقَدْ قَلَعَ لَوْحًا بِالْقَدُّومِ.فَقَالَ لَهُ مُوسَى مَا صَنَعْتَ قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ،عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا،لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا.قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا.قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُسْرًا،فَكَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا.فَلَمَّا خَرَجَا مِنَ الْبَحْرِ مَرُّوا بِغُلاَمٍ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ،فَأَخَذَ الْخَضِرُ بِرَأْسِهِ فَقَلَعَهُ بِيَدِهِ هَكَذَا - وَأَوْمَأَ سُفْيَانُ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ كَأَنَّهُ يَقْطِفُ شَيْئًا - فَقَالَ لَهُ مُوسَى أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا.قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا.قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَىْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِى،قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّى عُذْرًا.فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ مَائِلاً - أَوْمَأَ بِيَدِهِ هَكَذَا وَأَشَارَ سُفْيَانُ كَأَنَّهُ يَمْسَحُ شَيْئًا إِلَى فَوْقُ،فَلَمْ أَسْمَعْ سُفْيَانَ يَذْكُرُ مَائِلاً إِلاَّ مَرَّةً - قَالَ قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ فَلَمْ يُطْعِمُونَا وَلَمْ يُضَيِّفُونَا عَمَدْتَ إِلَى حَائِطِهِمْ لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا.قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ،سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا.قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « وَدِدْنَا أَنَّ مُوسَى كَانَ صَبَرَ،فَقَصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِمَا ».قَالَ سُفْيَانُ قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى،لَوْ كَانَ صَبَرَ يُقَصُّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا ».وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا،وَأَمَّا الْغُلاَمُ فَكَانَ كَافِرًا وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ.ثُمَّ قَالَ لِى سُفْيَانُ سَمِعْتُهُ مِنْهُ مَرَّتَيْنِ وَحَفِظْتُهُ مِنْهُ.قِيلَ لِسُفْيَانَ حَفِظْتَهُ قَبْلَ أَنْ تَسْمَعَهُ مِنْ عَمْرٍو،أَوْ تَحَفَّظْتَهُ مِنْ إِنْسَانٍ فَقَالَ مِمَّنْ أَتَحَفَّظُهُ وَرَوَاهُ أَحَدٌ عَنْ عَمْرٍو غَيْرِى سَمِعْتُهُ مِنْهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا وَحَفِظْتُهُ مِنْهُ . (1)

وقد ذكر القرآن الكريم: قال تعالى:﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً (60)﴾ الكهف.

لا أبرح: أي لا أترك،والبعض يظن أن لا أبرح تعني: لا أترك مكاني الذي أنا فيه،لكنها تعني: لا أترك ما أنا بصدده،فإنْ كنتُ قاعداً لا أترك القعود،وإنْ كنتُ ماشياً لا أترك المشي،وقد قال موسى ـ عليه السلام ـ هذا القول وهو يبتغي بين البحرين،ويسير متجهاً إليه،فيكون المعنى: لا أترك السير إلى هذا المكان حتى أبلغ مجمع البحرين.

(1) - صحيح البخارى- المكنز - (3401 )

الطاق : ما عطف من الأبنية أى جعل كالقوس من قنطرة ونافذة وما أشبه ذلك -يقصان : يتتبعان الأثر -ينقض : يسقط -المكتل : القفة الكبيرة -النكر : الأمر الشديد

المهذب في الآداب الإسلامية · الصفحة ٢٠١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المهذب في الآداب الإسلاميةص ٢٠١