ولما كان هذه الفتنة تتكرر ، كلما حلّت جيوش الكفر بلاد الإسلام ، فمن المناسب ، أن ننقل فتوى العلامة سيدي محمد بن مصطفى الطرابلسي ، في التحذير من الركون إلى دول الكفر ، وبيان عاقبة ذلك على دين المسلم ، لما حدث ذلك إبّان الاحتلال الصليبي في القرن الماضي .
قال العلامة المهدي الوزاني في النوازل الكبرى 3/72ـ78 : " ذلك أنه سئل العلامة سيدي محمد بن مصطفى الطرابلسي ، لما شاع وكثر في هذه الأزمنة من احتماء المسلمين بالكفار بعد نقضهم البيعة الإسلامية ، بحيث يكون حكمهم كحكم رعاياهم الأصليين ، إذا وقعت لهم حادثة التجأوا إليهم ، واشتكوا إليهم ، وإذا طلبوا أمراء الإسلام يمتنعون ، ويقولون : نحن تحت حماية الدولة الفلانية ، وإذا جلب إلى محكمة أهل الإسلام ، يحضر معه رجل من طرف الحكومة الأجنبية ، هل يجوز هذا في الشرع الشريف ؟
فأجاب : لا يجوز هذا الصنيع القبيح السيء في الشريعة المنورة ، بل هو حرام ، بل قيل : إنه كفر ، وشهد له ظاهر قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بضعهم أولياء بعض ، ومن يتولهم منكم فإنه منهم " ، وكذا ما بعد هذه الآية من قوله تعالى " فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة " ، فهي صريحة في أنه لا يفعل ذلك إلا من كان في قلبه مرض ونفاق والعياذ بالله . وكذلك ظاهر قوله " ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء " ، أي فليس من ولاية الله في شيء ، فظاهره أنه انسلخ من ولاية الله رأسا ،
وقد قال تعالى في حق المؤمنين : " الله ولي الذين آمنوا " . فمن انسلخ من ولايته تعالى فلا يكون الله وليه ، فلا يكون مؤمنا .
وكذلك قوله تعالى " بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما " ، ثم بين المنافقين بقوله تعالى " الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين " ، ثم قال " أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا ".
والآيات والأحاديث في هذا الشأن كثيرة ، وهؤلاء المحتمون أشد ضررا على المسلمين من الكفار الأصليين .
ثم قال : فهذا وقد ألّف في هذه الحادثة ، سيدي علي الميلي رسالة شدد فيها النكير على من يفعل هذا الفعل ، قال : فلا يجوز القدوم عليه ولو خاف على ماله أو بدنه ، لأن المحافظة على الدين مقدمة عليهما .
ومن القواعد الأصولية :" إذا التقى ضرران ارتكب أخفهما" .
ومنها قولهم : مصيبة في الأموال ولا مصيبة في الأبدان ، ومصيبة في الأبدان ولا مصيبة في الأديان " فالمؤمن رأس ماله ، وأعز شيء عنده دينه ، فهو مقدم على كل شيء " انتهى النقل عن النوازل الكبرى .
ومن يتأمل كلام هؤلاء المتخبّطين بغير علم ، يرى أنهم يعكسون تماما دلالة قوله تعالى " يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ "
فالله تعالى جعل الكفر والصد عن سبيل الله ، هو الفتنة ، وهي أشد من القتل ، وهؤلاء يجعلون حتى الأذى ، ونقص الرزق ، وذهاب الأمن ، وليس القتل ، أشد عليهم من الفتنة في الدين . وهم مع ذلك لم يتدبروا حقا قوله تعالى " ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا " ، أي أن الكفار إنما يجعلون قوتهم العسكرية ، وسيلة يتوسلون بها إلى ارتداد المسلمين عن دينهم ، لأن الشيطان هو الذي يقودهم ويأزهم على المؤمنين .
والعجب أنّهم كأنّهم يظنّون ظنّ السوء بربهم ، أنّهم إنْ هم أطاعوه لم يرزقهم على طاعته ، وإن عصوه فصاروا تحت حماية الكفار رزقهم على معصيته ! فتأمّل كيف لبّس عليهم الشيطان ، فظنّوا أنّ في تحالفهم مع أشد الناس كفراً وعداوة للمؤمنين ، أمناً واستقراراً ورفاهاً .
كما حكى الله تعالى عن الذين في قلوبهم مرض قولهم : " فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة ، فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين "
وصار مثلهم كما وصف الله تعالى : " وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ " . فهؤلاء الذين يعبدون الله على حرف ، إنما يريدون نصر الدين بشرط أن لا يصيب دنياهم شيء ، فإن خافوا على دنياهم ، لجئوا إلى الكافر فارتموا في أحضانه ، وإن علموا أن في ذلك فسادا عظيما في دينهم ، قد فتنهم حب الدنيا ، فأوردهم هذه المهلكة .
وهم يتذرّعون بأن هؤلاء الكفار الصليبيين يتركون المسلمين يصلون ، ويصومون ، ويحجّون ، ويزكّون ، فليس في موالاتهم ضرر على الدين ، وينسون ، أو يتناسون أن في استعلاء الكفار بثقافتهم ، وأخلاقهم ، وسياساتهم ، واقتصادهم ، فسادُ عامُ عريض دائم يجتث الأجيال ، ويوقعهم تحت تأثير استلاب الكفار للشخصية الإسلامية في أبناء المسلمين ، وتحطيم الهوية الإسلامية ، وتغيير جذري في معالم الإيمان ، واستبدال الثقافة والقيم الغربية التائهة المنحلة بعقيدة الإسلام وأخلاقه ، وأن هذا واقع لا محالة وضرره شامل مستمر وبالغ الخطورة على عموم الأمة .