والهدف واضح وضوح الشمس في رابعة النهار ، وهو إخراج المحتل الصليبي من بلاد الإسلام ، وحماية المسلمين من بقاءه وتمكنه فيها ، لأنّ كل يوم جديد يبقى المحتل في العراق ، فإنه يتمكّن من إنجاح مخططه الواسع الأشد خطرا على أمتنا الإسلامية من كلّ ما مضى منذ عقود ، وهو مشروع القرن الأمريكي ، الذي صيغ ليعيد تشكيل المنطقة كلّها وفق متطلبات الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي الجديد .
ومن المعلوم أنه حتى في الجهاد الأفغاني الماضي ، ضدّ الغزو السوفيتي في أفغانستان ـ مع أن الاحتلال السوفيتي لم يدخل في حرب أطاح فيها بنظام الحكم وأصبح قوة احتلال ، بل بناء على طلب " نجيب الله " وفق معاهدة من حكومته ، التي يسمّي هؤلاء المفتون مثلها في العراق " حكومة ولي الأمر " !! ـ قد كانت الجبهات الجهادية كلها تقاتل ضد نظام " نجيب الله " الموالي للسوفيت ، وضد الجيش السوفيتي في أفغانستان ، على حد سواء .
كما يحدث في العراق تماما ، وكانت الجبهات في الجهاد الأفغاني ، متعددة الاتجاهات ، مختلفة العقائد ، ففيهم حتى القبوريين ، وغلاة أهل الشرك والتصوف الفلسفي ، غير أن الفتاوى كلها ، كانت تدعوا إلى توحيد المواجهة مع العدو ، وأن اختلاف الجبهات لا ينبغي أن يشتت الهدف المشترك ، وهو طرد الروس من أفغانستان .
ولم يكن أحد في ذلك اليوم ، يتحدث عن تحريم قتال جنود ولي الأمر " نجيب الله " الذي كان يظهر ـ كما أذكر ذلك ـ في صور تنشرها بعض صحفنا الاشتراكية آنذاك ـ في الكويت ـ وهو يصلي ويدعو رافعا يديه ، وتصور تلك الصحف الخارجين عليه بأنهم خوارج بغاة ، يرضون سادتهم الأمريكيين بالقتال ضد من استنجد بالروس حلفاءه ليقمع المتمردين الإرهابيين الخوارج !! .
وكان الحكم الشرعي في الجهاد الأفغاني لا يختلف فيه اثنان ، فالاحتلال الكافر ، احتلال يجب جهاده ، ولا يغير هذا الحكم ، كونه نصب حكومة موالية له ، ولا تعدد جبهات القتال ضده ، واختلاف الرايات .
وكذلك كان الأمر في احتلال القرن الماضي لبلادنا الإسلامية ، كان الاحتلال ينصب الحكومات ، ويتخذ من أهل البلاد الجند والشرط من المسلمين ـ أو كانوا مسلمين قبل أن يوالوا المحتل ـ ولم يكن في علماء المسلمين من ينكر جهاد المحتل ومن والاه .
بل كان كل من يقوم بالجهاد ومقاومة المحتل محمود في الأمة ، وجهاده مشكور ، ومن يحرض على قتال المحتلين من العلماء يعظم في نفوسهم مكرّما ، وينصبونه بينهم مقدّما ، رغم كون الرايات المحاربة لاحتلال القرن الماضي ، أشد اختلافا ، وأعظم تباينا، فقد كان فيها الرايات الإسلامية ، والعلمانية ، وغيرها .
كما أن الجهاد اليوم في فلسطين ، تختلف فيه الرايات أيضا ، غير أن القتال كله يتوجه إلى هدف واضح ، هو دحر الصهاينة عن بلاد المسلمين ، وإفشال مخططهم الخبيث واجتثاث سرطانهم المزروع في بلاد الإسلام ، وذلك لإنقاذ الأمّة الإسلامية ، مع احتمال أن يستفيد من بعض ثمرات الجهاد ، بعض الرايات العلمانية .
ولم يقل عاقل قط ، فضلا عن عالم بالشرع ، أن الجهاد في فلسطين حجر محجور ، وعمل محظور ، ويحرم على المسلمين أن يقاتلوا اليهود المحتلين ، حتى يأتي اليوم الذي يتوحد الفلسطينيون تحت راية إسلاميّة سنيّة واحدة ، ولو قال هذا مغفل لقدم أكبر خدمة للاحتلال .
والحاصل أن اتفاق المسلمين مع غيرهم على قتال عدوّ يراه الطرفان خطرا عليهما ، وفي دحره وإفشال مخططاته ، دفع خطر عام على أمة الإسلام ، لا ينكره إلاّ جاهل ، وقد صح في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن المسلمين يقاتلون والروم عدوا من وراءهم في آخر الزمان ، فليس في هذا ما يخالف الشرع مادامت المصلحة في عاقبة القتال أرجح .
ومعلوم أن الأمريكيين أشدّ ما يخافون مما يفشل مشروعهم في العراق ، هو دخول المقاتلين عليهم من خارجها ، فهم يريدون أن يستفردوا بالعراق ، ويحولوه إلى سجن كبير ، يفعلون فيها ما يشاؤون وهم في أمن من أي معكّر خارجي .
حتى إذا انتهوا من الاستقرار التام فيه ، وباضوا وفرخوا في ربوعه ، انتقلوا إلى مايليه من بلاد الإسلام ، ولهذا فهم يفرضون اليوم حتى على بعض العلماء ـ بواسطة حكومات المنطقةـ أن يخدموا العلم الأمريكي ، ويسيروا في ركابه ، حتى تحط رحال الصليب في كلّ العواصم ، فتُنزل بأمّة الإسلام كلّ قاصم .
ويبدو واضحا لكل ذي بصيرة أن الضغط الأمريكي على حكوماتنا هو الذي بات يوجّه بعض الفتاوى الشرعية المنكوسة التي أشبه بهذيان المنافقين والزنادقة ، أو أقوال الفئات الضالة المارقة .
وهذا وإن كان لا يحدث دائما بأسلوب مباشر ، غير أنه يمر عبر مراحل تنتهي بتوجيه الفتوى لصالح السياسة الأمريكية المفروضة على دولنا شاءت أم أبت .
وكأنّك ترى لو كان الروس هم الذين احتلوا العراق أو أي دولة أخرى تنافس أمريكا ، كأنك ترى المتحمّسين اليوم للفتاوى المخذلة لإخوانهم المجاهدين في العراق ، متجاوزين كل المعوقات ، متعامين عن كل شبهة ، يفتون بلا خوف من سلطان ، ولا جزع من جلاد أو سجان ، بوجوب الجهاد كما كانوا يفتون أيام الجهاد الأفغاني ، في سبيل إرضاء السياسة الأمريكية ، ولأصبح الجهاد في العراق أعظم من كل جهاد ، والمحرضون عليه جهابذة العلماء ، ليسوا خوارج ولا بغاة .
فسبحانك اللهم ، سبحانك مقلب القلوب والأبصار ، ثبت قلوبنا على دينك ، وثبت عقولنا ، ونجنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن ، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين " إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفرنا لنا وارحمنا وأنت غير الغافرين "