تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد جاءت نصوص الشريعة بالوعيد لمن تعمد الخطأ دون من أراد الحق فأخطأه أو لم يتعمد الخطأ لكنه وقع فيه، فقد توعد الله قاتل النفس عمداً بغير حق بقوله تعالى: ]ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها[ (النساء:93)، فقيَّد تبارك وتعالى الوعيد على قاتل المؤمن بالتعمد، بينما غفر عز وجل الخطأ بقوله على لسان المؤمنين: ]ربنا لا تؤخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا[ (البقرة: 286)، وقد ثبت في الحديث الصحيح أن الله سبحانه استجاب هذا الدعاء، فقال: ((فقد فعلت)).217

كما قال تعالى: ] وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم[ (الأحزاب: 5).

ومثله قول النبي r : ((إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه)).218

قال ابن رجب : " الخطأ هو أن يقصد بفعله شيئاً، فيصادف فعله غير ما قصده، مثل أن يقصد قتل كافر فصادف قتله مسلماً، والنسيان أن يكون ذاكراً الشيء فينساه عند الفعل، وكلاهما معفو عنه: يعني لا إثم فيه...والأظهر - والله أعلم - أن الناسي والمخطئ إنما عفي عنهما، بمعنى: رفع الإثم عنهما، لأن الإثم مرتب على المقاصد والنيات، والناسي والمخطئ لا قصد لهما، فلا إثم عليهما".219

والخطأ المعفو عنه على ضروب، فمنه ما هو متعلق بالألفاظ التي لم يقصد قائلها ما أدت إليه من معان مستقبحة، تكفر صاحبها لو أرادها وقصدها.

وفي ذلك أمثلة أصّلت هذه القاعدة الشرعية، منه ما جاء في حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله r : ((لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة، فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي، وأنا ربك. أخطأ من شدة الفرح)).220

قال القاضي عياض : " فيه أنّ ما قاله الإنسان من مثل هذا في حال دهشته وذهوله لا يؤاخذ به.. ويدل على ذلك حكاية النبيّ r ذلك، ولو كان منكراً ما حكاه".221

وقال ابن القيم: "وقد تقدَّم أن الذي قال لما وجد راحلته: اللهم أنت عبدي وأنا ربّك. أخطأ من شدّة الفرح، لم يكفر بذلك، وإن أتى بصريح الكفر، لكونه لم يرده".222

وقال ابن حجر في سياق حديثه عن الذي أمر بحرق جسده بعد موته : "ولعلّ هذا الرجل قال ذلك من شدّة جزعه وخوفه كما غلط ذلك الآخر فقال: أنت عبدي وأنا ربّك... وأظهر الأقوال أنّه قال ذلك في حال دهشته وغلبة الخوف عليه حتّى ذهب بعقله لما يقول, ولم يقله قاصداً لحقيقة معناه، بل في حالة كان فيها كالغافل والذّاهل والنّاسي الذي لا يؤاخذ بما يصدر منه ".223

وكذا كانت اليهود تؤذي رسول الله بقولهم له: (راعنا)، وقد قالها أصحاب النبي e من غير أن يقصدوا مقصد اليهود، فلم يكفروا لسلامة مقصدهم، وناداهم القرآن باسم الإيمان، فقال: ] يا أيّها الّذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم [ (البقرة: 104).

قال ابن تيمية: " إن المسلم إذا عنى معنىً صحيحاً في حق الله تعالى، أو الرسول e، ولم يكن خبيراً بدلالة الألفاظ، فأطلق لفظاً يظنه دالاً على ذلك المعنى، وكان دالاً على غيره أنه لا يكفر، ومن كفَّر مثل هذا كان أحق بالكفر، فإنه مخالف للكتاب والسنة و إجماع المسلمين، وقد قال تعالى: ]لا تقولوا راعنا[ (البقرة: 104)، وهذه العبارة كانت مما يقصد به اليهود إيذاء النبي e، والمسلمون لم يقصدوا ذلك، فنهاهم الله تعالى عنها، ولم يكفرهم بها".224

ويقول ابن القيم: "ومن تدبر مصادر الشرع وموارده تبين له أن الشارع ألغى الألفاظ التي لم يقصد المتكلم بها معانيها، بل جرت على غير قصد منه كالنائم والناسي والسكران والجاهل والمكره والمخطئ من شدة الفرح أو الغضب أو المرض ونحوهم".225

قال ابن حزم: "ليس كل ضلال كفراً، ولا فسقاً إلا إذا كان عمداً، وأما إذا كان من غير قصد فالإثم مرفوع فيه كسائر الخطأ".226

ومثل هذا السوء في القول يصدر يوم القيامة من آخر أهل الجنة دخولاً إليها، فيقول مخاطباً ربه جل وعلا: ((أتسخر بي أو أتضحك بي وأنت الملك؟ قال: لقد رأيت رسول الله e ضحك حتى بدت نواجذه)).227 وهذا القول مستقبح لا يخاطَب به الله العظيم، لكنه عفي عن قائله لفرط ذهوله.

ونقل النووي عن القاضي عياض قوله في معنى الحديث : " هذا الكلام صدر من هذا الرّجل وهو غير ضابط لما قاله، لما ناله من السّرور ببلوغ ما لم يخطر بباله, فلم يضبط لسانه دهشاً وفرحاً، فقاله وهو لا يعتقد حقيقة معناه , وجرى على عادته في الدّنيا في مخاطبة المخلوق".228

كما لم يكفر الذين خاضوا بالإفك، وآذوا النبي e لعدم قصدهم إيذاءه، ومثلهم حال أولئك الأصحاب رضوان الله عليهم الذين أطالوا الجلوس عنده e في يوم زواجه، فآذوه بذلك ] إنّ ذلكم كان يؤذي النّبيّ فيستحي منكم واللّه لا يستحي من الحقّ [ (الأحزاب : 53).

يقول السبكي: " لكن الأذى على قسمين أحدهما: يكون فاعله قاصداً لأذى النبي e، ولاشك أن هذا يقتضي القتل، وهذا كأذى عبد الله بن أُبي في قصة الأفك، والآخر أن لا يكون فاعله قاصداً لأذى النبي e مثل كلام مسطح وحمنة في الإفك، فهذا لا يقتضي قتلاً.

ومن الدليل على أن الأذى لابد أن يكون مقصوداً قول الله تعالى: ]إنّ ذلكم كان يؤذي النّبيّ[ (الأحزاب: 53). فهذه الآية في ناس صالحين من الصحابة، لم يقتض ذلك الأذى كفراً، وكل معصية ففعلها مؤذي، ومع ذلك فليس بكفر، فالتفصيل في الأذى الذي ذكرناه يتعين".229

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوه · الصفحة ٥٠٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوهص ٥٠٩