تَدَارُكُ الْمُرْتَدِّ لِمَا فَاتَهُ :(1)
37 - مَا فَاتَ الْمُرْتَدَّ مِنْ الْعِبَادَاتِ أَيَّامَ الرِّدَّةِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ , إذَا تَابَ وَرَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ , وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ , وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم : ﴿ الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ ﴾ . وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ , وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ أَيَّامَ رِدَّتِهِ مِنْ عِبَادَاتٍ ; لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ كَانَ مُقِرًّا بِإِسْلَامِهِ وَلِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ التَّخْفِيفَ .
38 - وَمَا فَاتَهُ أَيَّامَ إسْلَامِهِ مِنْ عِبَادَاتٍ قَبْلَ رِدَّتِهِ وَحَالَ إسْلَامِهِ , يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ بَعْدَ تَوْبَتِهِ مِنْ الرِّدَّةِ ; لِاسْتِقْرَارِ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ عَلَيْهِ حَالَ إسْلَامِهِ , وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ . وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ : لَا يُطَالَبُ بِمَا فَاتَهُ قَبْلَ رِدَّتِهِ , فَالرِّدَّةُ تُسْقِطُ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاةٍ وَصِيَامٍ إلَّا الْحَجَّ الَّذِي تَقَدَّمَ مِنْهُ , فَإِنَّهُ لَا يَبْطُلُ , وَيَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَتُهُ إذَا أَسْلَمَ ; لِبَقَاءِ وَقْتِهِ وَهُوَ الْعُمْرُ .
39 - وَإِذَا رَجَعَ الْمُرْتَدُّ إلَى الْإِسْلَامِ وَأَدْرَكَ وَقْتَ صَلَاةٍ , أَوْ أَدْرَكَ جُزْءًا مِنْ رَمَضَانَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ
==============
تَعَارُضُ احْتِمَالِ بَقَاءِ الْإِسْلَامِ وَحُدُوثِ الرِّدَّةِ :(2)
14 - فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ لَمْ يُجْمِعُوا عَلَى حُكْمٍ وَاحِدٍ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ . وَأَكْثَرُ الْمَذَاهِبِ تَوَسُّعًا فِيهِ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ : إذْ قَالُوا : لَا يَخْرُجُ الرَّجُلُ مِنْ الْإِيمَانِ إلَّا جُحُودُ مَا أَدْخَلَهُ فِيهِ , ثُمَّ مَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ رِدَّةٌ يُحْكَمُ بِهَا , وَمَا يُشَكُّ أَنَّهُ رِدَّةٌ لَا يُحْكَمُ بِهَا , إذْ الْإِسْلَامُ الثَّابِتُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ , وَالْإِسْلَامُ يَعْلُو . وَيَنْبَغِي لِلْعَالِمِ إذَا رُفِعَ إلَيْهِ هَذَا أَلَّا يُبَادِرَ بِتَكْفِيرِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ , مَعَ أَنَّهُ يَتَسَاهَلُ فِي إثْبَاتِ الْإِسْلَامِ , فَيُقْضَى بِصِحَّةِ إسْلَامِ الْمُكْرَهِ . وَنَقَلَ ابْنُ عَابِدِينَ عَنْ صَاحِبِ الْفَتَاوَى الصُّغْرَى قَوْلُهُ : الْكُفْرُ شَيْءٌ عَظِيمٌ , فَلَا أَجْعَلُ الْمُؤْمِنَ كَافِرًا مَتَى وُجِدَتْ رِوَايَةٌ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ . وَفِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ : إذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ وُجُوهٌ تُوجِبُ التَّكْفِيرَ , وَوَجْهٌ وَاحِدٌ يَمْنَعُهُ , فَعَلَى الْمُفْتِي أَنْ يَمِيلَ إلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَمْنَعُ التَّكْفِيرَ , تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِالْمُسْلِمِ , إلَّا إذَا صَرَّحَ بِإِرَادَةِ مُوجِبِ الْكُفْرِ , فَلَا يَنْفَعُهُ التَّأْوِيلُ . وَلَا يَكْفُرُ بِالْمُحْتَمَلِ ; لِأَنَّ عُقُوبَةَ الْكُفْرِ نِهَايَةٌ فِي الْعُقُوبَةِ , تَسْتَدْعِي نِهَايَةً فِي الْجِنَايَةِ , وَمَعَ الِاحْتِمَالِ لَا نِهَايَةَ فِي الْجِنَايَةِ , وَاَلَّذِي تَقَرَّرَ : أَنَّهُ لَا يُفْتَى بِكُفْرِ مُسْلِمٍ أَمْكَنَ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى مَحْمَلٍ حَسَنٍ , أَوْ كَانَ فِي كُفْرِهِ اخْتِلَافٌ , وَلَوْ رِوَايَةً ضَعِيفَةً
. 15 - وَفُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ الْأُخْرَى يَقُولُونَ أَيْضًا : إذَا قَامَ دَلِيلٌ أَوْ قَرِينَةٌ تَقْتَضِي عَدَمَ الْقَتْلِ قُدِّمَتْ . قَالُوا : وَلَوْ أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ عَنْ قُرْبٍ , وَقَالَ : أَسْلَمْت عَنْ ضِيقٍ أَوْ خَوْفٍ أَوْ غُرْمٍ , وَظَهَرَ عُذْرُهُ , فَفِي قَبُولِ عُذْرِهِ قَوْلَانِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ .
================
وَقَدْ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّكْرَارِ أَوْ عَدَمِ وُجُوبِهِ فِي مَسَائِلَ ,(3)
وَاخْتَلَفُوا فِي أُخْرَى . فَمِنْ الْمَسَائِلِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا :
(1) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 3874)
(2) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 4356)
(3) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 4747)