كَذَلِكَ فَلَمَّا كَانَ الثَّالِثُ قَالَ لَئِنْ قُلْتُمْ ذَلِكَ لَأَقْتُلَنَّكُمْ بِأَخْبَثِ قِتْلَةٍ , فَأَبَوْا إلَّا ذَلِكَ فَأَمَرَ عَلِيٌّ أَنْ يُخَدَّ لَهُمْ أُخْدُودٌ بَيْنَ بَابِ الْمَسْجِدِ وَالْقَصْرِ وَأَمَرَ بِالْحَطَبِ أَنْ يُطْرَحَ فِي الْأُخْدُودِ وَيُضْرَمَ بِالنَّارِ , ثُمَّ قَالَ لَهُمْ : إنِّي طَارِحُكُمْ فِيهَا أَوْ تَرْجِعُوا , فَأَبَوْا أَنْ يَرْجِعُوا , فَقَذَفَ بِهِمْ حَتَّى إذَا احْتَرَقُوا قَالَ : إنِّي إذَا أُرِيت أَمْرًا مُنْكَرَا أَوْقَدْت نَارِي وَدَعَوْت قَنْبَرَا قَالَ الْحَافِظُ : إنَّ إسْنَادَ هَذَا صَحِيحٌ . وَزَعَمَ أَبُو مُظَفَّرٍ الْإسْفَرايِينِيّ فِي الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ أَنَّ الَّذِينَ أَحْرَقَهُمْ عَلِيٌّ رضي الله عنه طَائِفَةٌ مِنْ الرَّوَافِضِ ادَّعَوْا فِيهِ الْإِلَهِيَّةَ وَهُمْ السَّبَئِيَّةُ وَكَانَ كَبِيرُهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَبَإٍ يَهُودِيًّا ثُمَّ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ وَابْتَدَعَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ , وَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّهُمْ أُنَاسٌ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ فِي السِّرِّ فَسَنَدُهُ مُنْقَطِعٌ , فَإِنْ ثَبَتَ حُمِلَ عَلَى قِصَّةٍ أُخْرَى , وَقَدْ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّهُ يُسْتَتَابُ الزِّنْدِيقُ كَمَا يُسْتَتَابُ غَيْرُهُ . وَعَنْ أَحْمَدَ وَأَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا : لَا يُسْتَتَابُ , وَالْأُخْرَى : إنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ , وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ وَإِسْحَاقَ . وَحُكِيَ عَنْ أَبِي إسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ مِنْ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ , قَالَ الْحَافِظُ : وَلَا يَثْبُتُ عَنْهُ بَلْ قِيلَ : إنَّهُ تَحْرِيفٌ مِنْ إسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ , وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ الْمَالِكِيَّةِ . وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إنْ جَاءَ تَائِبًا قُبِلَ وَإِلَّا فَلَا , وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ , وَاخْتَارَهُ أَبُو إسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ وَأَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ . وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ : إنْ كَانَ دَاعِيَةً لَمْ يُقْبَلْ وَإِلَّا قُبِلَ . وَحُكِيَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْعِتْرَةِ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَمُحَمَّدٍ أَنَّهَا تُقْبَلُ تَوْبَةُ الزِّنْدِيقِ لِعُمُومِ ﴿ إنْ يَنْتَهُوا ﴾ . وَعَنْ مَالِكٍ وَأَبِي يُوسُفَ وَالْجَصَّاصِ : لَا تُقْبَلُ إذْ يُعْرَفُ مِنْهُمْ التَّظَهُّرُ تَقِيَّةً بِخِلَافِ مَا يَنْطِقُونَ بِهِ . قَالَ الْمَهْدِيُّ : فَيَرْتَفِعُ الْخِلَافُ حِينَئِذٍ فَيُرْجَعُ إلَى الْقَرَائِنِ , لَكِنَّ الْأَقْرَبَ الْعَمَلُ بِالظَّاهِرِ , وَإِنْ الْتَبَسَ الْبَاطِنُ , لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم لِمَنْ اسْتَأْذَنَهُ فِي قَتْلِ مُنَافِقٍ : ﴿ أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ﴾ الْخَبَرَ وَنَحْوِهِ . قَالَ فِي الْفَتْحِ : وَاسْتَدَلَّ مَنْ مَنَعَ مِنْ قَبُولِ تَوْبَةِ الزِّنْدِيقِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ إلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا ﴾ فَقَالَ : الزِّنْدِيقُ لَا يُطَّلَعُ عَلَى إصْلَاحِهِ لِأَنَّ الْفَسَادَ إنَّمَا أَتَى مِمَّا أَسَرَّهُ , فَإِذَا اُطُّلِعَ عَلَيْهِ وَأَظْهَرَ الْإِقْلَاعَ عَنْهُ لَمْ يُرَدَّ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ , وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ ﴾ . وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ كَمَا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . أَخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ . وَاسْتَدَلَّ لِمَنْ قَالَ بِالْقَبُولِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً ﴾ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ إظْهَارَ الْإِيمَانِ يُحَصِّنُ مِنْ الْقَتْلِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَكُلُّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ أَحْكَامَ الدُّنْيَا عَلَى الظَّاهِرِ وَاَللَّهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ , وَقَدْ قَالَ صلى الله عليه وسلم لِأُسَامَةَ : ﴿ هَلَّا شَقَقْت عَنْ قَلْبِهِ ﴾ وَقَالَ لِلَّذِي سَارَّهُ فِي قَتْلِ رَجُلٍ : ﴿ أَلَيْسَ يُصَلِّي ؟ قَالَ : نَعَمْ , قَالَ : أُولَئِكَ الَّذِينَ نُهِيت عَنْ قَتْلِهِمْ ﴾ ﴿ وَقَالَ صلى الله عليه وسلم لِخَالِدٍ لَمَّا اسْتَأْذَنَهُ فِي قَتْلِ الَّذِي أَنْكَرَ الْقِسْمَةَ : إنِّي لَمْ أُومَرْ بِأَنْ أُنَقِّبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ ﴾ وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ فِي الصَّحِيحِ , وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ أَتْبَعَهُ ) بِهَمْزَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ سَاكِنَةٍ . قَوْلُهُ : ( مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ) بِالنَّصْبِ أَيْ بَعْدَهُ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَلْحَقَهُ بِهِ بَعْدَ أَنْ تَوَجَّهَ , وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَاتَّبَعَهُ بِهَمْزَةِ وَصْلٍ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ , وَمُعَاذٌ بِالرَّفْعِ . قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ ) فِي الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَانَ عَلَى عَمَلٍ مُسْتَقِلٍّ , وَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَانَ إذَا سَارَ فِي أَرْضِهِ بِقُرْبٍ مِنْ صَاحِبِهِ أَحْدَثَ بِهِ عَهْدًا وَفِي أُخْرَى لَهُ : " فَجَعَلَا يَتَزَاوَرَانِ " . قَوْلُهُ : ( وِسَادَةً ) هِيَ مَا تُجْعَلُ تَحْتَ رَأْسِ النَّائِمِ , كَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ , قَالَ : وَكَانَ مِنْ عَادَتِهِمْ أَنَّ مَنْ أَرَادُوا إكْرَامَهُ وَضَعُوا
المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوه · الصفحة ٣٦٦
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوهص ٣٦٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي