حَدِيثَ ذِي الْيَدَيْنِ ثُمَّ لَمْ يَرُدَّ حَدِيثَهُ حَتَّى عَمِلَ بِقَوْلِ النَّاسِ أَوْ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رضي الله عنهما بِنَاءً عَلَى خَبَرِهِ فَلَوْ لَمْ يَبْقَ حُجَّةٌ بَعْدَ الرَّدِّ لَمَا عَمِلَ بِهِ عليه السلام هَكَذَا ذَكَرَ فِي نُسْخَةٍ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ وَأَظُنُّهَا لِلشَّيْخِ . قَالَ الْوَاقِدِيُّ اسْمُ ذِي الْيَدَيْنِ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ وَقِيلَ اسْمُهُ عَبْدُ عَمْرٍو بْنُ نَضْلَةَ وَقِيلَ اسْمُهُ ذُو الشِّمَالَيْنِ اُسْتُشْهِدَ يَوْمَ بَدْرٍ , وَقَالَ الْقُتَبِيُّ ذُو الشِّمَالَيْنِ الَّذِي اُسْتُشْهِدَ يَوْمَ بَدْرٍ غَيْرُ ذِي الْيَدَيْنِ وَاسْمُ ذُو الْيَدَيْنِ عُمَيْرُ بْنُ عَبْدِ عَمْرٍو , وَقَالَ الْقُتَبِيُّ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يَعْمَلُ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا , وَقِيلَ لَقَبُهُ الْخِرْبَاقُ , وَبِأَنَّ حَالَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُحْتَمَلَةٌ فَإِنَّ حَالَ الْمُدَّعِي يَحْتَمِلُ السَّهْوَ وَالْغَلَطَ وَحَالَ الْمُنْكِرِ يَحْتَمِلُ النِّسْيَانَ وَالْغَفْلَةَ إذْ النِّسْيَانُ قَدْ يَرْوِي شَيْئًا لِغَيْرِهِ ثُمَّ يَنْسَى بَعْدَ مُدَّةٍ فَلَا يَتَذَكَّرُهُ أَصْلًا وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَدْلٌ ثِقَةٌ فَكَانَ مُصَدَّقًا فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَلَا يَبْطُلُ مَا تَرَجَّحَ مِنْ جِهَةِ الصِّدْقِ فِي خَبَرِ الرَّاوِي بِعَدَالَتِهِ بِنِسْيَانِ الْآخَرِ كَمَا لَا يَبْطُلُ بِمَوْتِهِ وَجُنُونِهِ فَحَلَّ لِلرَّاوِي الرِّوَايَةُ . وَهَذَا بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ فَإِنَّ الْأَصْلَ إذَا أَنْكَرَ لَا يَحِلُّ لِلْفَرْعِ الشَّهَادَةُ ; لِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى التَّحْمِيلِ فَإِذَا أَنْكَرَ الْأَصْلُ سَقَطَ التَّحْمِيلُ وَبَقِيَ الْعِلْمُ فَلَا يَحِلُّ لَهُ الشَّهَادَةُ فَأَمَّا الرِّوَايَةُ فَمَبْنِيَّةٌ عَلَى السَّمَاعِ دُونَ التَّحْمِيلِ . أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ سَمِعَ الْحَدِيثَ وَلَمْ يَحْمِلْهُ الْمُحَدِّثُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِسَمَاعِهِ حَلَّ لِلسَّامِعِ الرِّوَايَةُ عَنْهُ فَإِذَا أَنْكَرَهَا وَالْمُدَّعِي مُصَدَّقٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ بَقِيَ السَّمَاعُ فَحَلَّ لَهُ الرِّوَايَةُ كَذَا فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ , وَاحْتَجَّ مَنْ رَدَّهُ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ رضي الله عنهما - وَكَانَ لَا يَرَى التَّيَمُّمَ لِلْجُنُبِ - أَمَا تَذْكُرُ إذْ كُنَّا فِي إبِلٍ يَعْنِي إبِلَ الصَّدَقَةِ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فِي سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْتُ فَتَمَعَّكْت فِي التُّرَابِ أَيْ تَمَرَّغْت فَصَلَّيْت فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ ﴿ إنَّمَا يَكْفِيَك أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ الْأَرْضَ ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَك وَذِرَاعَيْك ﴾ فَلَمْ يَرْفَعْ عُمَرُ رضي الله عنه رَأْسَهُ وَلَمْ يَقْبَلْ رِوَايَتَهُ مَعَ أَنَّهُ كَانَ عَدْلًا ; لِأَنَّهُ رَوَى عَنْهُ شُهُودٌ الْحَادِثَةَ وَلَمْ يَتَذَكَّرْ هُوَ مَا رَوَاهُ وَكَانَ لَا يَرَى التَّيَمُّمَ لِلْجُنُبِ بَعْدَ ذَلِكَ , وَبِأَنَّ بِتَكْذِيبِ الْعَادَةِ يُرَدُّ الْحَدِيثُ بِأَنْ كَانَ الْخَبَرُ غَرِيبًا فِي حَادِثَةٍ مَشْهُورَةٍ فَبِتَكْذِيبِ الرَّاوِي أَوْلَى ; لِأَنَّ تَكْذِيبَهُ أَدَلُّ عَلَى الْوَهْنِ مِنْ تَكْذِيبِ الْعَادَةِ ; لِأَنَّهُ يَدُورُ عَلَيْهِ وَهُوَ تَكْذِيبٌ صَرِيحًا وَذَلِكَ تَكْذِيبٌ دَلَالَةً وَالصَّرِيحُ رَاجِحٌ عَلَى الدَّلَالَةِ , وَحَقِيقَةُ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْخَبَرَ إنَّمَا يَكُونُ حُجَّةً وَمَعْمُولًا بِهِ بِالِاتِّصَالِ بِالرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم وَبِإِنْكَارِ الرَّاوِي يَنْقَطِعُ الِاتِّصَالُ ; لِأَنَّ إنْكَارَهُ حُجَّةٌ فِي حَقِّهِ فَيَنْتَفِي بِهِ رِوَايَةُ الْحَدِيثِ أَوْ يَصِيرُ هُوَ مُنَاقِضًا بِإِنْكَارِهِ وَمَعَ التَّنَاقُضِ لَا تَثْبُتُ الرِّوَايَةُ وَبِدُونِ الرِّوَايَةِ لَا يَثْبُتُ الِاتِّصَالُ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً كَمَا فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ , وَبِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَتَذَكَّرْ بِالتَّذْكِيرِ كَانَ مُغَفَّلًا وَرِوَايَةُ الْمُغَفَّلِ لَا تُقْبَلُ , وَبِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِي الْبَابِ أَنْ يُصَدَّقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَيَحِلُّ لِلرَّاوِي أَنْ يَعْمَلَ بِهِ وَلَا يَحِلُّ لِغَيْرِهِ لِتَحَقُّقِ الِانْقِطَاعِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ بِتَكْذِيبِ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ وَأَمَّا حَدِيثُ ذِي الْيَدَيْنِ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ ; لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ عليه السلام تَذَكَّرَ أَنَّهُ تَرَكَ الشَّفْعَ مِنْ الصَّلَاةِ ; لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ عَنْ التَّقْرِيرِ عَلَى الْخَطَأِ يُعْمَلُ بِعِلْمِهِ لَا بِإِخْبَارِ أَحَدٍ . أَلَا يُرَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَذَكَّرْ وَاحِدٌ بِقَوْلِهِمَا لَكَانَ هَذَا تَقْلِيدًا مِنْهُ فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَتَذَكَّرْ لَا يَحْصُلُ لَهُ الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ بِدُونِ الْعِلْمِ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ الْغَيْرِ تَقْلِيدًا وَتَقْلِيدُهُ لِلْأَنْبِيَاءِ غَيْرُ جَائِزٍ فَكَيْفَ يَجُوزُ لِغَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ , أَوْ تَذَكَّرَ غَفْلَتَهُ عَنْ حَالِهِ لِشَغْلِ . قَلْبٍ اعْتَرَضَ فَيُعْرَفُ عَنْ غَيْرِهِ , وَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِي الْخَبَرِ إنَّ رَاوِيَ الْأَصْلِ يَنْظُرُ فِي نَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ رَأْيُهُ يَمِيلُ إلَى غَلَبَةِ نِسْيَانٍ أَوْ كَانَتْ عَادَتُهُ ذَلِكَ فِي
المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوه · الصفحة ٢٦٣
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوهص ٢٦٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي