النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ ﴿ مُرُوهُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ , ﴾ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ حَدٌّ لِأَمْرِهِمْ , وَصِحَّةِ عِبَادَاتِهِمْ , فَيَكُونُ حَدًّا لِصِحَّةِ إسْلَامِهِمْ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ : إذَا أَسْلَمَ وَهُوَ ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ , جُعِلَ إسْلَامُهُ إسْلَامًا . وَلَعَلَّهُ يَقُولُ إنَّ عَلِيًّا أَسْلَمَ وَهُوَ ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ ; لِأَنَّهُ قَدْ قِيلَ : إنَّهُ مَاتَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ . فَعَلَى هَذَا يَكُونُ إسْلَامُهُ , وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ ; لِأَنَّ مُدَّةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُنْذُ بُعِثَ إلَى أَنْ مَاتَ ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً , وَعَاشَ عَلِيٌّ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثِينَ سَنَةً ; فَذَلِكَ ثَلَاثٌ وَخَمْسُونَ , فَإِذَا ضَمَمْت إلَيْهَا خَمْسًا , كَانَتْ ثَمَانِيَةً وَخَمْسِينَ . وَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ : أُجِيزُ إسْلَامَ ابْنِ ثَلَاثِ سِنِينَ , مَنْ أَصَابَ الْحَقَّ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ أَجَزْنَاهُ . وَهَذَا لَا يَكَادُ يَعْقِلُ الْإِسْلَامَ , وَلَا يَدْرِي مَا يَقُولُ , وَلَا يَثْبُتُ لِقَوْلِهِ حُكْمٌ , فَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ مِنْهُ وَدَلَّتْ أَحْوَالُهُ وَأَقْوَالُهُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْإِسْلَامِ , وَعَقْلِهِ إيَّاهُ , صَحَّ مِنْهُ كَغَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( 7101 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِنْ رَجَعَ , وَقَالَ : لَمْ أَدْرِ مَا قُلْت . لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ , وَأُجْبِرَ عَلَى الْإِسْلَامِ )
وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الصَّبِيَّ إذَا أَسْلَمَ , وَحَكَمْنَا بِصِحَّةِ إسْلَامِهِ , لِمَعْرِفَتِنَا بِعَقْلِهِ بِأَدِلَّتِهِ , فَرَجَعَ , وَقَالَ : لَمْ أَدْرِ مَا قُلْت . لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ , وَلَمْ يَبْطُلْ إسْلَامُهُ الْأَوَّلُ . وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ , أَنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ , وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : هَذَا قَوْلٌ مُحْتَمَلٌ ; لِأَنَّ الصَّبِيَّ فِي مَظِنَّةِ النَّقْصِ , فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا . قَالَ : وَالْعَمَلُ عَلَى الْأَوَّلِ ; لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَقْلُهُ لِلْإِسْلَامِ , وَمَعْرِفَتُهُ بِهِ بِأَفْعَالِهِ أَفْعَالَ الْعُقَلَاءِ , وَتَصَرُّفَاتِهِ تَصَرُّفَاتِهِمْ , وَتَكَلُّمِهِ بِكَلَامِهِمْ , وَهَذَا يَحْصُلُ بِهِ مَعْرِفَةُ عَقْلِهِ ; وَلِهَذَا اعْتَبَرْنَا رُشْدَهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ بِأَفْعَالِهِ وَتَصَرُّفَاتِهِ , وَعَرَفْنَا جُنُونَ الْمَجْنُونِ وَعَقْلَ الْعَاقِلِ بِمَا يَصْدُرُ عَنْهُ مِنْ أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ وَأَحْوَالِهِ , فَلَا يَزُولُ مَا عَرَفْنَاهُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ . وَهَكَذَا كُلُّ مَنْ تَلَفَّظَ بِالْإِسْلَامِ , أَوْ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِهِ , ثُمَّ أَنْكَرَ مَعْرِفَتَهُ بِمَا قَالَ , لَمْ يُقْبَلْ إنْكَارُهُ , وَكَانَ مُرْتَدًّا . نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي مَوَاضِعَ . إذَا ثَبَتَ هَذَا , فَإِنَّهُ إذَا ارْتَدَّ , صَحَّتْ رِدَّتُهُ . وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ . وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ . وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ : لَا يَصِحُّ إسْلَامُهُ وَلَا رِدَّتُهُ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَصِحُّ إسْلَامُهُ , وَلَا تَصِحُّ رِدَّتُهُ ; لِقَوْلِهِ عليه السلام ﴿ : رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ ; عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ ﴾ . وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يُكْتَبَ عَلَيْهِ ذَنْبٌ وَلَا شَيْءٌ , وَلَوْ صَحَّتْ رِدَّتُهُ , لَكُتِبَتْ عَلَيْهِ . وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَلَا يُكْتَبُ عَلَيْهِ , إنَّمَا يُكْتَبُ لَهُ , وَلِأَنَّ الرِّدَّةَ أَمْرٌ يُوجِبُ الْقَتْلَ , فَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ كَالزِّنَى وَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ إنَّمَا صَحَّ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ تَمَحَّضَ مَصْلَحَةً , فَأَشْبَهَ الْوَصِيَّةَ وَالتَّدْبِيرَ , وَالرِّدَّةُ تَمَحَّضَتْ مَضَرَّةً وَمَفْسَدَةً , فَلَمْ تَلْزَمْ صِحَّتُهَا مِنْهُ . فَعَلَى هَذَا , حُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ لَمْ يَرْتَدَّ , فَإِذَا بَلَغَ , فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى الْكُفْرِ , كَانَ مُرْتَدًّا حِينَئِذٍ .
( 7102 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يُقْتَلُ حَتَّى يَبْلُغَ , وَيُجَاوِزَ بَعْدَ بُلُوغِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ ثَبَتَ عَلَى كُفْرِهِ قُتِلَ )
وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الصَّبِيَّ لَا يُقْتَلُ , سَوَاءٌ قُلْنَا بِصِحَّةِ رِدَّتِهِ , أَوْ لَمْ نَقُلْ ; لِأَنَّ الْغُلَامَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ عُقُوبَةٌ , بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمُ الزِّنَى وَالسَّرِقَةِ فِي سَائِر الْحُدُودِ , وَلَا يُقْتَلُ قِصَاصًا ; فَإِذَا بَلَغَ , فَثَبَتَ عَلَى رِدَّتِهِ , ثَبَتَ حُكْمُ الرِّدَّةِ حِينَئِذٍ , فَيُسْتَتَابُ ثَلَاثًا , فَإِنْ تَابَ , وَإِلَّا قُتِلَ , سَوَاءٌ قُلْنَا : إنَّهُ كَانَ مُرْتَدًّا قَبْلَ بُلُوغِهِ أَوْ لَمْ نَقُلْ , وَسَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَصْلِيًّا فَارْتَدَّ , أَوْ كَانَ كَافِرًا فَأَسْلَمَ صَبِيًّا ثُمَّ ارْتَدَّ .