وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ , وَالْعَنْبَرِيِّ . وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ , وَابْنِ مَسْعُودٍ , وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ , وَاخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ الْخَلَّالِ , وَقَالَ : إنَّهُ أَوْلَى عَلَى مَذْهَبِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ . وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى , لَا تُقْبَلُ تَوْبَةُ الزِّنْدِيقِ , وَمَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ . وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ , وَاللَّيْثِ , وَإِسْحَاقَ . وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ , كَهَاتَيْنِ , وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ تَوْبَةُ الزِّنْدِيقِ ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : ﴿ إلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا ﴾ . وَالزِّنْدِيقُ لَا تَظْهَرُ مِنْهُ عَلَامَةٌ تُبَيِّنُ رُجُوعَهُ وَتَوْبَتَهُ ; لِأَنَّهُ كَانَ مُظْهِرًا لِلْإِسْلَامِ , مُسِرًّا لِلْكُفْرِ , فَإِذَا وُقِفَ عَلَى ذَلِكَ , فَأَظْهَرَ التَّوْبَةَ , لَمْ يَزِدْ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ قَبْلَهَا , وَهُوَ إظْهَارُ الْإِسْلَامِ , وَأَمَّا مَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ , فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا ﴾ . وَرَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ظَبْيَانَ بْنِ عُمَارَةَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي سَعْدٍ مَرَّ عَلَى مَسْجِدِ بَنِي حَنِيفَةَ , فَإِذَا هُمْ يَقْرَءُونَ بِرَجَزِ مُسَيْلِمَةَ , فَرَجَعَ إلَى ابْنِ مَسْعُودٍ , فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ , فَبَعَثَ إلَيْهِمْ , فَأُتِيَ بِهِمْ , فَاسْتَتَابَهُمْ , فَتَابُوا , فَخَلَّى سَبِيلَهُمْ , إلَّا رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ ابْنُ النَّوَّاحَةِ . قَالَ : قَدْ أُتِيتُ بِكَ مَرَّةً , فَزَعَمْتَ أَنَّكَ قَدْ تُبْتَ , وَأَرَاك قَدْ عُدْتَ . فَقَتَلَهُ . وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى , قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ . وَرُوِيَ ﴿ أَنَّ رَجُلًا سَارَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يَدْرِ مَا سَارَّهُ بِهِ , حَتَّى جَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَإِذَا هُوَ يَسْتَأْذِنُهُ فِي قَتْلِ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ؟ . قَالَ : بَلَى , وَلَا شَهَادَةَ لَهُ . قَالَ : أَلَيْسَ يُصَلِّي ؟ . قَالَ : بَلَى , وَلَا صَلَاةَ لَهُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : أُولَئِكَ الَّذِينَ نَهَانِي اللَّهُ عَنْ قَتْلِهِمْ ﴾ . وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿ إنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا إلَّا الَّذِينَ تَابُوا ﴾ . وَرُوِيَ أَنَّ مَخْشِيَّ بْنَ حِمْيَرٍ كَانَ فِي النَّفَرِ الَّذِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ : ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ﴾ . فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَتَابَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى , فَقَبِلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُ , وَهُوَ الطَّائِفَةُ الَّتِي عَنَى اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ : ﴿ إنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً ﴾ فَهُوَ الَّذِي عَفَا اللَّهُ عَنْهُ , وَسَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى , أَنْ يُقْتَلَ فِي سَبِيلِهِ , وَلَا يُعْلَمَ بِمَكَانِهِ , فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ , وَلَمْ يُعْلَمْ مَوْضِعُهُ . وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَفَّ عَنْ الْمُنَافِقِينَ بِمَا أَظْهَرُوا مِنْ الشَّهَادَةِ , مَعَ إخْبَارِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ بِبَاطِنِهِمْ , بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ وَيَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ إنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ﴾ وَغَيْرِهَا مِنْ الْآيَاتِ . وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ حُجَّةٌ فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِمْ , مَعَ اسْتِسْرَارِهِمْ بِكُفْرِهِمْ . وَأَمَّا قَتْلُهُ ابْنَ النَّوَّاحَةِ , فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ قَتَلَهُ لِظُهُورِ كَذِبِهِ فِي تَوْبَتِهِ ; لِأَنَّهُ أَظْهَرَهَا , وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مَا زَالَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ كُفْرِهِ . وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ قَتَلَهُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَهُ حِينَ جَاءَ رَسُولًا لِمُسَيْلِمَةِ : ﴿ لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ , لَقَتَلْتُكَ ﴾ فَقَتَلَهُ تَحْقِيقًا لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ قَتَلَهُ لِذَلِكَ . وَفِي الْجُمْلَةِ , فَالْخِلَافُ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِمْ فِي الظَّاهِرِ مِنْ أَحْكَامِ الدُّنْيَا . مِنْ تَرْكِ قَتْلِهِمْ , وَثُبُوتِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فِي حَقِّهِمْ ; وَأَمَّا قَبُولُ اللَّهِ تَعَالَى لَهَا فِي الْبَاطِنِ , وَغُفْرَانُهُ لِمَنْ تَابَ وَأَقْلَعَ ظَاهِرًا أَمْ بَاطِنًا , فَلَا خِلَافَ فِيهِ , فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي الْمُنَافِقِينَ : ﴿ إلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاَللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾
المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوه · الصفحة ١٧٥
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوهص ١٧٥
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي