تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويقف المؤمن ثانيا:أمام إتمام نعمة الله على المؤمنين , بإكمال هذا الدين ; وهي النعمة التامة الضخمة الهائلة . النعمة التي تمثل مولد "الإنسان" في الحقيقة , كما تمثل نشأته واكتماله . "فالإنسان" لا وجود له قبل أن يعرف إلهه كما يعرفه هذا الدين له . وقبل أن يعرف الوجود الذي يعيش فيه كما يعرفه له هذا الدين . وقبل أن يعرف نفسه ودوره في هذا الوجود وكرامته على ربه , كما يعرف ذلك كله من دينه الذي رضيه له ربه . و"الإنسان" لا وجود له قبل أن يتحرر من عبادة العبيد بعبادة الله وحده ; وقبل أن ينال المساواة الحقيقية بأن تكون شريعته من صنع الله وبسلطانه لا من صنع أحد ولا بسلطانه .

إن معرفة "الإنسان" بهذه الحقائق الكبرى كما صورها هذا الدين هي بدء مولد "الإنسان" . . إنه بدون هذه المعرفة على هذا المستوى ; يمكن أن يكون "حيوانًا أو أن يكون "مشروع إنسان" في طريقه إلى التكوين !

ولكنه لا يكون "الإنسان" في أكمل صورة للإنسان , إلا بمعرفة هذه الحقائق الكبيرة كما صورها القرآن . .

والمسافة بعيدة بعيدة بين هذه الصورة , وسائر الصور التي اصطنعها البشر في كل زمان !

وإن تحقيق هذه الصورة في الحياة الإنسانية , لهو الذي يحقق "للإنسان" "إنسانيته" كاملة . .

يحققها له وهو يخرجه بالتصور الاعتقادي , في الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر , من دائرة الحس الحيواني الذي لا يدرك إلا المحسوسات , إلى دائرة "التصور" الإنساني , الذي يدرك المحسوسات وما وراء المحسوسات .

عالم الشهادة وعالم الغيب . .

عالم المادة وعالم ما وراء المادة . .

وينقذه من ضيق الحس الحيواني المحدود !

ويحققها له وهو يخرجه بتوحيد الله , من العبودية للعباد إلى العبودية لله وحده , والتساوي والتحرر والاستعلاء أمام كل من عداه . فإلى الله وحده يتجه بالعبادة , ومن الله وحده يتلقى المنهج والشريعة والنظام , وعلى الله وحده يتوكل ومنه وحده يخاف . .

ويحققها له , بالمنهج الرباني , حين يرفع اهتماماته ويهذب نوازعه , ويجمع طاقته للخير والبناء والارتقاء , والاستعلاء على نوازع الحيوان , ولذائذ البهيمة وانطلاق الأنعام !

ولا يدرك حقيقة نعمة الله في هذا الدين , ولا يقدرها قدرها , من لم يعرف حقيقة الجاهلية ومن لم يذق ويلاتها - والجاهلية في كل زمان وفي كل مكان هي منهج الحياة الذي لم يشرعه الله - فهذا الذي عرف الجاهلية وذاق ويلاتها . . ويلاتها في التصور والاعتقاد , وويلاتها في واقع الحياة . .

هو الذي يحس ويشعر , ويرى ويعلم , ويدرك ويتذوق حقيقة نعمة الله في هذا الدين . .

الذي يعرف ويعاني ويلات الضلال والعمى , وويلات الحيرة والتمزق , وويلات الضياع والخواء , في معتقدات الجاهلية وتصوراتها في كل زمان وفي كل مكان . . هو الذي يعرف ويتذوق نعمة الإيمان ;

والذي يعرف ويعاني ويلات الطغيان والهوى , وويلات التخبط والاضطراب , وويلات التفريط والإفراط في كل أنظمة الحياة الجاهلية , هو الذي يعرف ويتذوق نعمة الحياة في ظل الإيمان بمنهج الإسلام .

ولقد كان العرب المخاطبون بهذا القرآن أول مرة , يعرفون ويدركون ويتذوقون هذه الكلمات . لأن مدلولاتها كانت متمثلة في حياتهم , في ذات الجيل الذي خوطب بهذا القرآن . .

كانوا قد ذاقوا الجاهلية . . ذاقوا تصوراتها الاعتقادية . وذاقوا أوضاعها الاجتماعية . وذاقوا أخلاقها الفردية والجماعية . وبلوا من هذا كله ما يدركون معه حقيقة نعمة الله عليهم بهذا الدين ; وحقيقة فضل الله عليهم ومنته بالإسلام .

كان الإسلام قد التقطهم من سفح الجاهلية ; وسار بهم في الطريق الصاعد , إلى القمة السامقة - كما فصلنا ذلك في مستهل سورة النساء - فإذا هم على القمة ينظرون من عل إلى سائر أمم الأرض من حولهم ; نظرتهم إلى ماضيهم في جاهليتهم كذلك .

كان الإسلام قد التقطهم من سفح الجاهلية في التصورات الاعتقادية حول ربوبية الأصنام , والملائكة , والجن , والكواكب , والأسلاف ; وسائر هذه الأساطير الساذجة والخرافات السخيفة ; لينقلهم إلى أفق التوحيد . إلى أفق الإيمان بإله واحد , قادر قاهر , رحيم ودود , سميع بصير , عليم خبير . عادل كامل . قريب مجيب . لا واسطة بينه وبين أحد ; والكل له عباد , والكل له عبيد . .

ومن ثم حررهم من سلطان الكهانة , ومن سلطان الرياسة , يوم حررهم من سلطان الوهم والخرافة . .

وكان الإسلام قد التقطهم من سقح الجاهلية في الأوضاع الاجتماعية . من الفوارق الطبقية ; ومن العادات الزرية ; ومن الاستبداد الذي كان يزاوله كل من تهيأ له قدر من السلطان [ لا كما هو سائد خطأ من أن الحياة العربية كانت تمثل الديمقراطية ! ] .

"فقد كانت القدرة على الظلم قرينة بمعنى العزة والجاه في عرف السيد والمسود من أمراء الجزيرة من أقصاها في الجنوب إلى أقصاها في الشمال . وما كان الشاعر النجاشي إلا قادحا مبالغا في القدح حين استضعف مهجوه , لأن:

قبيلته لا يغدرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل

"وما كان حجر بن الحارث إلا ملكا عربيا حين سام بني أسد أن يستعبدهم بالعصا , وتوسل إليه شاعرهم عبيد بن الأبرص حيث يقول:

أنت المملك فيهم وهم العبيد إلى القيامه

ذلوا لسوطك مثلما ذل الأشيقر ذو الخزامه

"وكان عمر بن هند ملكا عربيا حين عود الناس أن يخاطبهم من وراء ستار ; وحين استكثر على سادة القبائل أن تأنف أمهاتهم من خدمته في داره" .

"وكان النعمان بن المنذر ملكا عربيا حين بلغ به العسف أن يتخذ لنفسه يوما للرضى يغدق فيه النعم على كل قادم إليه خبط عشواء ; ويوما للغضب يقتل فيه كل طالع عليه من الصباح إلى المساء" .

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوه · الصفحة ١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوهص ١٧