فَهَذَا مَاعِزٌ قَدْ صَحَّتْ تَوْبَتُهُ قَبْلَ الرَّجْمِ بِإِخْبَارِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ , وَبِأَنَّهَا مَقْبُولَةٌ - وَهَذِهِ الْغَامِدِيَّةُ , وَالْجُهَيْنِيَّةُ رضي الله عنهما - قَدْ تَابَتَا أَتَمَّ تَوْبَةٍ وَأَصَحَّهَا , مَقْبُولَةً مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِإِخْبَارِ النَّبِيِّ عليه السلام وَلَمْ تُسْقِطْ هَذِهِ التَّوْبَةُ عَنْهُمْ الْحَدَّ . قَالُوا : وَكَذَلِكَ أَيْضًا ﴿ حَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم الَّذِينَ قَذَفُوا عَائِشَةَ - رضي الله عنها ؟ ﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله : فَلَمَّا اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ - كَمَا ذَكَرْنَا - وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِي ذَلِكَ لِنَعْلَمَ الْحَقَّ مِنْ ذَلِكَ [ فَنَتْبَعَهُ ] بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَنِّهِ : فَنَظَّرْنَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ مَنْ رَأَى الْحُدُودَ سَاقِطَةً بِالتَّوْبَةِ . فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ , فَوَجَدْنَاهُ مُرْسَلًا , فَسَقَطَ التَّعَلُّقُ بِهِ . ثُمَّ نَظَرْنَا فِي حَدِيث عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ , فَوَجَدْنَاهُ لَا يَصِحُّ , لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ وَهُوَ يَقْبَلُ التَّلْقِينَ , شَهِدَ بِذَلِكَ شُعْبَةُ , وَغَيْرُهُ , فَسَقَطَ . ثُمَّ نَظَرْنَا فِي حَدِيثِ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ , فَوَجَدْنَا الْأَوَّلَ مِنْ طَرِيقٍ فِيهَا لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ , وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ . وَأَمَّا حَدِيثُ الْبَاهِلِيِّ , فَوَجَدْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ , وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا . فَإِنْ قِيلَ : وَقَدْ رَوَيْتُمُوهُ بِأَنَّ فِيهِ زَيْنَبَ ؟ قُلْنَا : نَعَمْ , وَفِيهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ رِجَالُهُ , ثُمَّ أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ دُونَ عِلَّةٍ لَمَا كَانَتْ فِيهِ حُجَّةٌ , لِأَنَّ فِيهِ وُجُوهًا تَمْنَعُ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ : أَحَدُهَا - أَنَّ مُمْكِنًا أَنْ يَكُونَ هَذَا قَبْلَ نُزُولِ حَدِّ الزِّنَى ثُمَّ نَزَلَ حَدُّ الزِّنَى فَكَانَ الْحُكْمُ لِإِيجَابِ الْحَدِّ . فَإِنْ قِيلَ : وَمُمْكِنٌ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ نُزُولِ حَدِّ الزِّنَى ثُمَّ نَزَلَ حَدُّ الزِّنَى فَكَانَ الْحُكْمُ لَهُ وَيَكُونُ نَاسِخًا لِمَا فِي حَدِيثِ مَاعِزٍ , وَالْغَامِدِيَّةِ وَالْجُهَيْنِيَّةِ ؟ قُلْنَا : إنَّ الْوَاجِبَ إذَا تَعَارَضَتْ الْأَخْبَارُ أَنْ يُؤْخَذَ بِالزَّائِدِ وَالزَّائِدُ : هُوَ الَّذِي جَاءَ بِحُكْمٍ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا فِي مَعْهُودِ الْأَصْلِ , وَكَانَ مَعْهُودُ الْأَصْلِ بِلَا شَكٍّ : أَنْ لَا حَدَّ عَلَى أَحَدٍ - تَائِبًا كَانَ أَوْ غَيْرَ تَائِبٍ - فَجَاءَ النَّصُّ : بِإِيجَابِ الْحُدُودِ جُمْلَةً , وَكَانَتْ هَذِهِ النُّصُوصُ زَائِدَةً عَلَى مَعْهُودِ الْأَصْلِ , وَجَاءَ حَدِيثُ مَاعِزٍ , وَالْغَامِدِيَّةِ , وَالْجُهَيْنِيَّةِ , فَكَانَ مَا فِيهَا مِنْ إيجَابِ الْحَدِّ عَلَى التَّائِبِ زَائِدًا عَلَى مَا فِي الْخَبَرِ الَّذِي فِيهِ إسْقَاطُ الْحَدِّ عَنْ التَّائِبِ - هَذَا لَوْ كَانَ فِي حَدِيثِهِمْ أَنَّ الْحَدَّ سَقَطَ عَنْهُ بِالتَّوْبَةِ , فَكَيْفَ وَلَيْسَ هَذَا فِيهِ ؟ وَإِنَّمَا فِيهِ إسْقَاطُ الْحَدِّ بِصَلَاتِهِ فَقَطْ , وَهَذَا مَا لَا يَقُولُونَهُ [ بَلْ هُمْ يُخَالِفُونَ لِهَذَا الْحُكْمِ ] فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذَا الْخَبَرِ , وَبِتِلْكَ الْأَخْبَارِ جُمْلَةً - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ . فَإِنْ قَالُوا : هَبْكُمْ أَنَّ حَدَّ الزِّنَى قَدْ وَجَدْتُمْ فِيهِ , وَفِي حَدِّ الْقَذْفِ : إقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى مَنْ تَابَ , فَمِنْ أَيْنَ لَمْ تُسْقِطُوا حَدَّ السَّرِقَةِ , وَحَدَّ الْخَمْرِ بِالتَّوْبَةِ ؟ وَلَا نَصَّ مَعَكُمْ فِي إقَامَتِهَا عَلَى التَّائِبِ مِنْهَا ؟ قُلْنَا : إنَّ النَّصَّ قَدْ وَرَدَ جُمْلَةً بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ فِي السَّرِقَةِ , وَالْخَمْرِ , وَالزِّنَى , وَالْقَذْفِ , وَلَمْ يَسْتَثْنِ اللَّهُ تَعَالَى تَائِبًا مِنْ غَيْرِ تَائِبٍ , وَلَمْ يَصِحَّ نَصٌّ أَصْلًا بِإِسْقَاطِ الْحَدِّ عَنْ التَّائِبِ , فَإِذَا الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَا يَحِلُّ أَنْ يُخَصَّ التَّائِبُ مِنْ عُمُومِ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ بِالرَّأْيِ , وَالْقِيَاسِ دُونَ نَصٍّ وَلَا إجْمَاعٍ , فَهَذِهِ عُمْدَتُنَا فِي إقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَى التَّائِبِ وَغَيْرِ التَّائِبِ . وَإِنَّمَا حَدِيثُ مَاعِزٍ , وَالْغَامِدِيَّةِ , وَالْجُهَيْنِيَّةِ : مُؤَيِّدٌ لِقَوْلِنَا فِي ذَلِكَ فَقَطْ , وَلَوْ لَمْ يَأْتِ مَا احْتَجْنَا إلَيْهَا مَعَ الْأَوَامِرِ الْوَارِدَةِ بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ , لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ﴿ مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ ﴾ . وَقَوْلِهِ عليه السلام ﴿ الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ , وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ ﴾ . وَمَعَ قوله تعالى ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ﴾ . وَمَعَ قوله تعالى ﴿ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ﴾ . وَمَعَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ﴿ إذَا شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ ﴾ الْحَدِيثَ . فَلَمْ يَخُصَّ عليه السلام شَيْئًا مِنْ شَيْءٍ مِمَّا أَمَرَ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ تَائِبًا مِنْ غَيْرِهِ ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إنْ هُوَ إلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾ ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ﴾ . ثُمَّ نَظَرْنَا
المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوه · الصفحة ١١٣
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوهص ١١٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي