30.…قول الله تعالى:" قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويُخزِهم وينصُركم عليهم ويَشفِ صدورَ قومٍ مؤمنين. ويُذهب غَيظَ قلوبهم"، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هذه الآية فقال:"والتعذيب بأيدينا هو القتل، فيكون الناكث الطاعن مستحقاً للقتل، والسابُّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم ناكثٌ طاعنٌ كما تقدم فيستحق القتل. ولقد أهدر النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح دم الذين باشروا هجاءه ولم يُهدر دم الذين سمعوا الهجاء، وهذا يدل على أن موجب هدر الدم أمر زائد على مجرد الكفر وهو هنا سب الرسول صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى (ويشف صدور قومٍ مؤمنين. ويُذهب غيظ قلوبهم) دليلٌ على أن شفاء الصدور من ألم النكث والطعن، وذهاب الغيظ الحاصل في صدور المؤمنين من أثر الطعن أمرٌ مقصودٌ للشارع مطلوب الحصول، ولا ريب أن من أظهر سب الرسول صلى الله عليه وسلم مِن أهل الذمة وشتمه فإنه يغيظ المؤمنين ويؤلمهم أكثر مما لو سفك دماءَ بعضهم وأخذ أموالهم، فإن هذا يثير الغضب لله والحمية له ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا القدر لا يهيج في قلب المؤمن غيظاً أعظم منه، فالمؤمن المسدَد لايغضب هذا الغضب إلا لله، والشارع يطلب شفاء صدور المؤمنين وذهاب غيظ قلوبهم، وهذا إنما يحصل بقتل الساب لأوجه (أحدها) أن مجرد تعزيره وتأديبه بغير القتل يُذهب غيظ قلوبهم إذا شتم واحداً من المسلمين أو فعل نحو ذلك، فلو أذهب غيظ قلوبهم في حال شتم الرسول صلى الله عليه وسلم لكان غيظهم من شتمه مثل غيظهم من شتم واحد منهم وهذا باطل، فلا بد أن تكون عقوبة ساب الرسول صلى الله عليه وسلم فوق التعزير وهذه العقوبة هي القتل، و(الثاني) أن شتمه أعظم عندهم من أن يُؤخذ بعض دمائهم، ثم لو قتل الذمي واحداً منهم لم يشف صدورهم إلا قتله، فأن لا تشفى صدورهم إلا بقتل ساب الرسول صلى الله عليه وسلم أولى وأحرى، وإلا لم يكن سب الرسول صلى الله عليه وسلم أشد علينا من قتل بعضنا، و(الثالث) أن الله تعالى جعل قتالهم هو السبب في حصول الشفاء، والأصل عدمُ سببٍ آخر يحصله، فيجب أن يكون القتل والقتال هو الشافي لصدور المؤمنين من مثل هذا، و(الرابع) أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فُتحت مكة وأراد أن يشفي صدور خزاعة - وهم القوم المؤمنين- من بني بكر الذين قاتلوهم ونكثوا العهد معهم مكَّنهم منهم نصف النهار أو أكثر مع أمانه لسائر الناس، فلو كان شفاء صدورهم وذهاب غيظ قلوبهم يحصل بدون القتل للذين نكثوا وطعنوا لما فعل ذلك مع أمانه للناس، فدل على أن شفاء الصدور وذهاب غيظ القلوب من نكث العهد وما هو أشد منه كسَبِّ النبي صلى الله عليه وسلم لا يحصل إلا بقتل الناكث الطاعن الساب، وهو المطلوب"، قلت: هذا الذي حرره ابن تيمية في غاية الحسن، وهو الذي يجده سليم الفطرة وسليم القلب وهو أنه لا يذهب غيظ قلبه عند سماع نبأ الشاتم إلا بقتل الشاتم ، وهذا يعرفه أحدنا لأنه أول ما يتمناه أن يمكنه الله من الشاتم للنبي صلى الله عليه وسلم ليقتله، ومن لم يجد هذا في نفسه فليبكِ على نفسه أو ليجد لنفسه متبوعاً آخر غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، نسأل الله السلامة والعافية من ذلك.
31.…قول الله تعالى:"إن شانئك هو الأبتر"،قال الإمام الطبري رحمه الله بعد ذكر أقوال المفسرين في هذه الآية:"وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال إن الله تعالى ذِكره أخبر أن مُبغضَ رسول الله هو الأقل الأذل المنقطع عقبُه، فذلك صفة كلِ من أبغضه من الناس، وإن كانت الآية نزلت في شخصٍ بعينه"، قلت: فمن كان بغضه مستوراً مبطناً عامله الله بذلك وعاملناه بظاهره، ومن أظهر بغضه للنبي صلى الله عليه وسلم وشنآنه كأن يسبه أو يشتمه عاملناه بذلك، وتعاطينا أسباب بتره وقطع عقبه حساً ومعنى، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالقتل، قال ابن تيمية رحمه الله:"فأخبر سبحانه أن شانئه هو الأبتر؛ والبتر القطع، يقال: بتر يبتر بتراً، وسيفٌ بتار إذا كان قاطعاً ماضياً، ومنه في الاشتقاق الأكبر تبَّره تتبيراً إذا أهلكه، والتبار الهلاك والخسران. وبيَّن سبحانه أنه هو – أي المبغض للنبي صلى الله عليه وسلم - الأبتر بصيغة الحصر والتوكيد، لأنهم قالوا إن محمداً صلى الله عليه وسلم ينقطع ذِكره لأنه لا ولد له، فبيَّن الله أن الذي يشنأه هو الأبتر لا هو، والشنآن منه ما هو باطن في القلب لم يظهر، ومنه ما يظهر على اللسان وهو أعظم الشنآن وأشده، وكل جرمٍ استحق فاعله عقوبةً من الله، إذا أظهر ذلك الجرم عندنا وجب أن نعاقبه ونقيم عليه حد الله، فيجب أن نبتر مَن أظهر شنآنه وأبدى عداوته، وإذا كان ذلك واجباً وجب قتله وإن اظهر التوبة بعد القدرة، وإلا لما انبتر له شانيء بأيدينا في غالب الأمر لأنه لا يشاء شانئ أن يظهر شنآنه ثم يظهر المتاب بعد رؤية السيف إلا فعل، فإن ذلك سهل على من يخاف السيف"، قلت: وهذا لا يحتاج إلى مزيد بيان فالبتر القطع، فمن أظهر لنا عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وشتمه وسبه بترناه وقطعنا ذكره وطمسنا سيرته بأيدينا والحمد لله.